بقلم: د. حامد بن شظا المرجان، أستاذ جامعي ومستشار إعلامي سابق
في منطقة اعتادت أن تستيقظ على أخبار التصعيد العسكري، وأن تقيس استقرارها بموازين القوة وحجم الترسانات العسكرية، تأتي الدعوة العُمانية للانتقال من فكرة معاهدة بين دول المنطقة إلى ميثاق للسلام، لتطرح سؤالاً يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية: هل تستطيع دول الخليج، ومعها إيران والعراق، أن تصنع نظاماً أمنياً إقليمياً بعيداً عن منطق الصراع والمحاور والتبعية للقوى الخارجية؟
إن ما طرحه وزير الخارجية العُماني، السيد بدر بن حمد البوسعيدي، في محاضرته بلندن، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، أو خطاباً سياسياً يدعو إلى التهدئة، بل باعتباره محاولة لإعادة التفكير في فلسفة الأمن الخليجي، وفي طبيعة العلاقات التي ينبغي أن تحكم دول المنطقة في مرحلة تتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية وتتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية.
من أمن المحاور إلى الأمن الإقليمي المشترك
على مدى عقود، ارتبط مفهوم الأمن الخليجي بدرجة كبيرة بالتحالفات العسكرية والاعتماد على القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. ورغم ما وفرته هذه الترتيبات من مظلات للحماية والردع، فإنها لم تمنع المنطقة من الدخول في أزمات وحروب متكررة، كما لم تنجح في إزالة جذور التوتر بين دولها.
وهنا تكمن أهمية الطرح العُماني؛ فهو لا يدعو إلى إلغاء العلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى، ولا إلى تجاهل التوازنات الدولية، وإنما يطرح ضرورة أن تتحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر في صياغة أمنها ومستقبلها، بدلاً من أن تظل رهينة لتجاذبات القوى الدولية وحساباتها المتغيرة.
إن الانتقال من مفهوم الحماية الخارجية إلى مفهوم الأمن الإقليمي المشترك يمثل تحولاً في التفكير السياسي؛ فالدول التي تتشارك الجغرافيا والممرات البحرية ومصادر الطاقة والمصالح الاقتصادية لا يمكن أن تستمر في التعامل مع بعضها بعضاً باعتبارها مصادر تهديد دائمة.
إيران.. الجار الذي لا يمكن استبعاده
لعل أكثر جوانب المبادرة حساسية هو إدراج إيران والعراق ضمن التصور الأمني الإقليمي، إلى جانب الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.
فإيران ليست دولة طارئة على جغرافية الخليج، بل دولة محورية بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري. ومن ثم، فإن بناء منظومة أمنية مستدامة مع استبعادها يظل أمراً بالغ الصعوبة.
لكن الاعتراف بإيران طرفاً أساسياً في المعادلة الأمنية لا يعني القبول بسياساتها الإقليمية، ولا التغاضي عن المخاوف الخليجية المتعلقة بالتدخلات.


