ما وراء المشهد
مدرسة قتيبة بن مسلم بولاية الكامل والوافي.. التوجيه المهني يفتح أبواب صناعة الفرص
كتب: د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
ماذا نريد من المدرسة أن تفعل لأبنائنا؟ هل نعدّهم للحصول على وظيفة فحسب، أم نساعدهم أيضًا على اكتشاف قدراتهم، وفهم عالم المهن، والتفكير في كيفية صناعة فرصهم؟ سؤال يتجاوز المناهج والامتحانات، ويضعنا أمام جانب مهم من رسالة التعليم: إعداد الطالب للحياة، ومساعدته على فهم خيارات المستقبل قبل أن يصل إلى مرحلة الاختيار.
في هذا السياق، تبرز أهمية التوجيه المهني داخل المدارس، باعتباره أحد المسارات التربوية التي تساعد الطلبة على التعرف إلى المهن والفرص المتاحة، واكتشاف ميولهم وقدراتهم، والاقتراب من واقع سوق العمل. ومن المبادرات التي تجسد هذا التوجه مبادرة الاستضافة المهنية بعنوان «تجربتي في ريادة الأعمال»، التي أطلق فكرتها وخطط لها الأستاذ ناصر بن جمعة المرهوبي، أخصائي التوجيه المهني بمدرسة قتيبة بن مسلم للتعليم الأساسي للبنين (9–12) بولاية الكامل والوافي، وتولى تنفيذها في ساحة المدرسة خلال طابور الصباح والحصة الأولى.
استضاف اللقاء ثلاثة من أصحاب التجارب المهنية؛ خالد الهاشمي في مجال النقل البري، وعمر المعمري في مجال النجارة، وبشار المعمري في مجال المطاعم. وقد أتاحت هذه التجارب للطلبة التعرف إلى مسارات متنوعة للعمل الحر والمشروعات الخاصة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تربط النجاح بمهنة واحدة أو مسار وظيفي محدد.
وبوصفي معلمًا للدراسات الاجتماعية في المدرسة، ومستشارًا في التدريب والتنمية البشرية، عايشت اللقاء عن قرب. وما لفت انتباهي لم يكن مجرد حضور الضيوف، بل تفاعل الطلبة معهم، وما رأيته في عيونهم من إعجاب واهتمام وهم يستمعون إلى تجارب واقعية من سوق العمل. كان مشهدًا أسعدني؛ لأن الطالب حين يرى أمامه أشخاصًا يتحدثون عن تجاربهم ومهنهم، تصبح الأفكار أقرب إلى الفهم والتصور، ويبدأ في إدراك أن المستقبل لا يقتصر على طريق واحد. خرجت من اللقاء بشعور طيب، وبقناعة أن مثل هذه المبادرات تستحق أن تتكرر.
ولا يمكن إغفال دعم مدير المدرسة الأستاذ ناصر سعيد الهاشمي ومساعديه لهذه المبادرة، وهو ما يعكس أهمية البيئة المدرسية التي تمنح الأفكار التربوية مساحة للتنفيذ. فنجاح المبادرات لا يعتمد على صاحب الفكرة وحده، بل يحتاج إلى إدارة تؤمن بأهميتها، وتعاون يتيح لها الوصول إلى الطلبة وتحقيق أهدافها.
وما يستحق الانتباه أن هذه المبادرة لا تأتي بمعزل عن الاهتمام الأوسع بالتوجيه المهني وريادة الأعمال لدى الناشئة؛ فقد شهدت سلطنة عُمان برامج ومبادرات وطنية تستهدف تعريف الطلبة بثقافة ريادة الأعمال، وتنمية مهاراتهم، وفتح آفاق جديدة أمامهم. فقد نفذت وزارة التربية والتعليم برنامج ريادة الأعمال للناشئة عام 2023 بمشاركة 550 طالبًا وطالبة، كما استضافت ولاية الكامل والوافي في يوليو 2025 معسكر «رواد المستقبل» بمشاركة 50 طالبًا. وأطلق مركز الشباب، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، برنامج «مستقل» لتمكين الطلبة من اكتشاف مهاراتهم وتحويلها إلى فرص للعمل المستقل.
وتعكس هذه البرامج والمبادرات اهتمامًا متزايدًا بإعداد الطلبة للتعامل مع عالم المهن والعمل، وتؤكد أن التوجيه المهني لم يعد مجرد تعريف بمسميات الوظائف، بل أصبح مدخلًا لتوسيع وعي الطالب بخياراته، ومساعدته على اكتشاف قدراته والتفكير في ما يمكن أن يقدمه للمجتمع.
لكن قيمة ما حدث في مدرسة قتيبة بن مسلم لا تقف عند حدود استضافة ثلاثة أشخاص للحديث عن أعمالهم. فاختلاف مجالاتهم يحمل رسالة مهمة: ريادة الأعمال ليست حكرًا على الشركات الكبيرة أو المشروعات التقنية، وقد تبدأ من حرفة كالنجارة، أو خدمة كالنقل، أو مشروع في قطاع المطاعم. وهذا يفتح أمام الطلبة بابًا للتعرف إلى تنوع المهن، واحترام قيمة العمل والإنتاج، والنظر إلى المهارة باعتبارها أصلًا يمكن تطويره واستثماره.
ومن هنا أرى أن المدرسة مطالبة بتوسيع مفهوم الإعداد المهني. فليس المطلوب أن يصبح كل طالب رائد أعمال، ولا أن نضع العمل الحر في مواجهة الوظيفة الحكومية أو الخاصة؛ فلكل مسار قيمته وظروفه. المطلوب أن يتخرج الطالب وهو أكثر وعيًا بخياراته، وأكثر قدرة على المبادرة، وألا يربط مستقبله بانتظار فرصة جاهزة فقط.
ومن منظور التدريب والتنمية البشرية، فإن الفكر الريادي لا يقتصر على تأسيس مشروع تجاري؛ بل يرتبط بمهارات يحتاجها الإنسان في مختلف مجالات حياته، مثل التفكير النقدي والإبداعي، وحل المشكلات، والتخطيط، والتواصل، والتفاوض، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار. كما يتعلم الطالب أن الحماس والفكرة لا يكفيان وحدهما؛ فالمشروع يحتاج إلى فهم احتياجات الناس، ودراسة السوق، وحساب التكاليف، والاستعداد للتحديات، والتعلم من الأخطاء .
ويبقى السؤال الأهم: كيف نضمن ألا تنتهي الفكرة بانتهاء اللقاء؟ هنا يمكن للمدرسة أن تنتقل من الاستضافة إلى الممارسة؛ بتنظيم معارض للمشروعات الطلابية، وإتاحة المجال أمام الطلبة لعرض أفكارهم ومناقشتها، واستضافة أصحاب المهن والتجارب بصورة دورية، وربط المواهب بجهات التدريب والدعم، وتشجيع مشروعات طلابية مصغرة تحت إشراف تربوي مناسب. كما أن استمرار التنسيق بين أخصائيي التوجيه المهني وإدارات المدارس والجهات ذات الصلة يمكن أن يمنح هذه المبادرات أثرًا أعمق وأكثر استدامة.
إن مبادرة مدرسة قتيبة بن مسلم تستحق التقدير، كما يستحق الأستاذ ناصر بن جمعة المرهوبي الإشادة بجهده في ابتكار هذه المبادرة والتخطيط لها وتنفيذها. لكن الأهم أن تكون هذه التجربة بداية لمسار يتواصل ويتطور. فالمقياس الحقيقي لنجاح مثل هذه اللقاءات ليس عدد الضيوف الذين استضافتهم المدرسة، بل ما إذا كانت قد دفعت طالبًا إلى اكتشاف مهارة لديه، أو التفكير في فكرة جديدة، أو النظر إلى مهنة لم يكن يلتفت إليها من قبل .
فالمدرسة لا تصنع مستقبل أبنائها بتلقينهم الإجابات وحدها، بل حين تساعدهم على اكتشاف الأسئلة والخيارات والقدرات التي تمكنهم من صناعة ذلك المستقبل .
د. إسماعيل جابر


