ما لم يقُله أصحاب المعالي والسعادة!

نشرت :

د. محمد بن عوض المشيخي **

بلدان مجلس التعاون الخليجي العربية قدرها أن تقع في إقليم ملتهب ومثقل بالحروب والتحديات الكثيرة التي لم تبارح أرجاء هذه المنطقة منذ أكثر من أربعة عقود؛ بداية بحرب الثماني سنوات بين إيران والعراق؛ إذ كان ذلك الصراع السبب الرئيس في قيام هذا التكتل الخليجي وإعلانه من أبوظبي في 1981، بهدف مواجهة الأخطار بشكل جماعي، وصولًا إلى الأزمة الدامية الحالية بين أمريكا وإسرائيل من طرف وإيران من الطرف الآخر، والتي بدأت فصولها في 28 فبراير الماضي.

كانت المرافق الحيوية الخليجية مسرحًا للقصف والتدمير لحرب مفروضة على شعوب المنطقة. لذا هناك من يعتقد بأن هذه المعارك التي لا تنتهي، غاية من يقف وراءها السيطرة على ثروات دول الخليج العربية التي حباها الله بمخزون من الذهب الأسود (النفط) والغاز والمعادن المختلفة؛ مما اعتبره الكثير من المواطنين بأن هذه النعمة قد تحولت إلى نقمة؛ لكون الإنجازات التنموية العملاقة التي تحققت على الضفة الغربية والجنوبية للخليج العربية لم نخطط بشكل سليم لتجنب الأخطار المحدقة بنا ولم نستعد لها بما فيه الكفاية. وبالتالي نحن بحاجة لمظلة أمنية جوية لتوفير الحماية للناس في أرجاء المدن الخليجية ومرافقها الحيوية.

بالفعل أهم ما تحتاجه المجتمعات الخليجية في هذه المرحلة التاريخية والمفصلية؛ هي خارطة طريق واضحة المعالم للتصدي لكل لتحديات الوجودية التي عايشناها خلال الشهور الماضية من الطرفين الإيراني والأمريكي؛ فالأخير هو المتسبب في هذه الكارثة غير المسبوقة، والأهم من ذلك الاعتراف بالإخفاقات التي لم نحسب لها حسابًا لكي لا تتكرر مرة أخرى؛ فهي معروفة للقاصي والداني في هذا الكوكب.

والسؤال الأهم: لماذا نحاول نجنب الخوض فيها على الرغم من أنها الأسلوب الأمثل لتصحيح الأوضاع.

وعطفاً على ما سبق ذكره، كان الرأي العام الخليجي في انتظار نتائج واحد من أهم الاجتماعات الوزارية التي تحمل رقم “29” ضمن سلسلة اللقاءات الأخوية بين أصحاب المعالي والسعادة وزراء الإعلام في مجلس التعاون؛ تلك القامات الرفيعة التي يشار لها بالبنان في فكرهم النير وإخلاصهم لأوطانهم؛ وقد كان بيانهم يعكس التحديات التي تمر بها دولنا؛ إذ حمل “بيان المنامة” العديد من الأفكار ذات الغايات السامية للوحدة الخليجية؛ فقد “بيّن الوزراء أن التلاحم والتكاتف بين دول المجلس وقياداتها وشعوبها يمثلان ركيزة راسخة لحماية الأمن والاستقرار وصون المنجزات الخليجية”. وهذا كلام من ذهب ويجب على كل الكُتَّاب الشرفاء الالتزام والعمل على جمع الشمل وليس إثارة الفتن والشائعات المدمرة.

وفي نفس الوقت ركز البيان- الذي لا تتجاوز نقاطه المختصرة عدد أصابع اليد الواحدة- على موضوع التجاوزات والمخالفات التي تحدث على المنصات الرقمية بشكل مستمر؛ إذ توعد البيان باتخاذ الإجراءات القانونية لمحاسبة كل مرتكبيها. بالطبع هذا الأمر ليس بجديد ولم تتوقف الأجهزة المختصة يوما عن متابعة الذين يخرجون خارج الإجماع الخليجي، على الرغم من صعوبة الوصول إلى تلك الحسابات الوهمية التي تظهر بين وقت وآخر لنشر الفتن والإساءة إلى الرموز السياسية والدينية في المجتمع الخليجي.

ولعل دعوة أصحاب المعالي للمؤسسات الإعلامية ورواد شبكات التواصل الاجتماعي إلى اليقظة وتحري الصدق عند نقل الأخبار والمعلومات للرأي العام؛ بحيث تأخذ المعلومة من مصادرها بدون تحريف أو تلوين، من أهم النقاط التي وردت في بيان الوزراء الذين وضعوا النقاط على الحروف في هذه المرحلة الصعبة التي نمر بها جميعاً في الإقليم.

ولا شك أن تفعيل ما جاء في هذا البيان والعمل على تنفيذ تلك البنود، مسؤولية جماعية لكل أبناء الخليج، كما يتعين مكاشفة البعض من الذين يعملون خارج نطاق المصلحة العامة لأمن المنطقة، أنه قد حان الوقت للتصدي لهم بشجاعة ومصارحتهم بأخطائهم.

يبدو لي أن سقف طموحات المواطن الخليجي قد أصبحت عالية وضرورية وهي وصفة عاجلة لمعالجة التداعيات والكوارث التي لا تزال حاضرة وتواجهنا باستمرار. وتأتي التحديات الاقتصادية في مقدمتها؛ فمشكلة إيجاد بديل لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز الذي تسبب في تراجع الصادرات الخليجية إلى نحو أكثر من 40% يعد من أهم ما يجب إنجازه ثم الكشف عنه للجمهور. كما أن التنسيق الأمني والعسكري بين دول الخليج يجب أن يكون أساس المرحلة القادمة على أن يتحقق في نهاية هذا التنسيق الاندماج والوصول إلى جيش خليجي موحد يتولى حماية السماوات والحدود البرية والبحرية للخليج. وهذا لا يمكن أن يتحقق بدون نوايا صادقة من الجميع؛ بحيث يتم الاعتماد على أبناء الخليج وليس البحث عن حماية أجنبية لكل دولة كما هو حاصل الآن.

ولذا نقترح ضرورة توعية المواطنين بالمخاطر والأزمات القادمة والعمل على تدريب وتأهيل المجتمعات الخليجية على نطاق واسع من خلال تدريبهم على عمليات الإنقاذ والإسعافات الأولية والتوعية الميدانية لبعض الفئات التي تحتاج اهتمامًا خاصًا عند وقوع الأزمات، وكذلك المشاركة في الدفاع عن تراب الوطن كأفراد يصنفون في الاحتياط إذا ما طُلب منهم ذلك.

هذه هي الأولويات التي يجب أن تكون من أهداف المرحلة المقبلة، بالتوازي مع تحقيق الأمن الغذائي الخليجي من خلال إيجاد منهجية وطنية لتحقيق تلك الغاية؛ فالذي لا يملك قوت يومه لا يمكن له أن يملك قراره السيادي. ومن هنا يجب التسليم بأن سلسلة الإمدادات التي تأتي من الخارج قد تنقطع عند حدوث الكوارث والأزمات التي أصبحت تلازمنا.

وفي الختام.. قبل صدور بيان وزراء الإعلام في دول المجلس بساعات قليلة الذي هو جوهر هذا المقال؛ كنت ضيفًا على برنامج “اتجاهات الرأي” من إذاعة قطر الرسمية والذي يقدمه الإعلامي القدير عبد العزيز السيد؛ حيث كانت الحلقة بعنوان” إستراتيجية جاهزية إدارة الأزمات وحماية المجتمع”، وقد سعدتُ بما حققته الشقيقة قطر حكومة وشعبًا في هذا المجال. ونأمل الاستفادة من الدروس والمِحَن التي مرَّت على هذا البلد وترجمة ذلك إلى إنجازات، خاصة في مواجهة الحرب من خلال تكاتف المجتمع القطري مع الجهات الرسمية، وذلك لتقليل أضرار الحرب على الناس. والذي أثلج صدري أكثر؛ هو نجاح دولة قطر وقطعها شوطًا كبيرًا في الوصول إلى الأمن الغذائي من خلال استحداث طرق متطورة في الزراعة وكذلك إنتاج الألبان والدواجن بنسبة 99% للوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img