السادات.. كما نادته أمي، وكما سيبقى فينا.. سيرة في مقام الوفاء.. أنور الحريبي بعد عام من الرحيل

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي بن خميس الحريبي

في الأول من نوفمبر 2025، انطوت صفحة من الحضور الإنساني الذي لا يشبه سواه، ورحل أخي العقيد الركن أنور بن الصافي الحريبي، تاركًا وراءه مساحة من الغياب لا تملؤها السنوات، وسيرة تتجاوز حدود الذاكرة الشخصية إلى أثر مهني ووطني تشهد به مسيرته وما أنجزه في ميادين عمله. واليوم، بعد عام على رحيله، أجدني أمام حكاية لا أريد لها أن تكون رثاءً تقليديًا، ولا استعادة عابرة لوجع الفقد؛ بل شهادة وفاء لرجل يستحق أن تُروى سيرته من زواياها المختلفة، وأن يُقرأ أثره بما يليق بما قدّم.

في عائلتنا، لم يكن أنور يُنادى برتبته أو بمسماه الوظيفي؛ كان «السادات»، الاسم الذي اختارته له والدتنا، وظل ملازمًا له حتى شبابه، ثم بقي راسخًا في وجدان الأسرة، حتى غدا الاسم الذي لا تكاد ألسنتنا تردد سواه. وكأن الاسم احتفظ له بمكانه الأول في قلوبنا، بعيدًا عن الألقاب والمناصب، وعن كل ما أضافته إليه سنوات العمل والمسؤولية. فمهما اتسعت مسيرته، وتعددت المواقع التي شغلها، ظل في ذاكرتنا ذلك الاسم الذي نشأ عليه، والوجه الذي نعرفه من تفاصيل حياتنا، والانتماء الذي لا تغيّره الرتب ولا تبدّله السنوات.

أما في مسيرته المهنية، فقد كان أنور من الكفاءات العُمانية التي جمعت بين التأهيل الأكاديمي والخبرة العسكرية والوعي الإعلامي. تخرّج في الدفعة الرابعة من جامعة السلطان قابوس، قسم الإعلام، عام 1993م، ثم اتجهت مسيرته إلى ميادين العمل الإعلامي العسكري والتوجيه المعنوي والمراسم العسكرية برئاسة أركان قوات السلطان المسلحة. وهناك تبلورت خبرته في مساحة تتطلب قدرًا عاليًا من الفهم والتحليل، والقدرة على قراءة الأحداث، واستيعاب طبيعة الرسائل الإعلامية وأبعادها النفسية والاستراتيجية.

ولم تكن علاقته بهذا المجال مجرد ممارسة لمهام وظيفية تحكمها متطلبات المنصب، بل ارتبطت بمشروع معرفي ومؤسسي أسهم في تأسيسه وتطويره. فقد كان له دور تأسيسي بارز، بالشراكة مع كفاءات وطنية، في بناء وتأطير منظومة العمليات المعلوماتية في التوجيه المعنوي بشقّيها: العمليات النفسية والعمليات الإعلامية. ولم يقتصر هذا الإسهام على الجانب التنفيذي، بل امتد إلى صياغة المفاهيم، وتأصيل المرتكزات العلمية، ووضع الأطر المنهجية، والانتقال بها من حيز التنظير إلى التطبيق العملي المنظم.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها من طبيعة المجال ذاته؛ فالعمليات المعلوماتية ليست مجرد أدوات إعلامية أو رسائل اتصالية، بل منظومة متكاملة تتطلب فهمًا عميقًا للمعلومة، وإدراكًا لتأثيراتها، وقدرة على تحليل البيئات والمتغيرات، وتحديد الأهداف، وصياغة الرسائل المناسبة وفق رؤية استراتيجية واضحة. وفي هذا المجال تلاقت خلفيته الأكاديمية في الإعلام مع خبرته العسكرية واهتمامه بالتخطيط، لتتشكل لديه قدرة على الربط بين المعرفة النظرية ومتطلبات الواقع، وبين الفكرة وآليات تنفيذها.

ولعل القيمة الأعمق في هذا الإسهام أنه أسهم في نقل العمل من حدود الاجتهادات الفردية إلى بناء منهج مؤسسي يستند إلى المعرفة والتخصص والتخطيط. فقد كان يدرك أن المؤسسات لا تتطور بتراكم التجارب وحده، بل بقدرتها على تحويل الخبرات إلى أطر علمية وممارسات مهنية قابلة للتطوير والاستدامة. ومن هذا المنطلق، اتجه اهتمامه إلى بناء ما يمكن أن يشكّل بيت خبرة في مجال العمليات المعلوماتية، وتعزيز مكانة التوجيه المعنوي بوصفه منظومة متخصصة قادرة على مواكبة التحولات والمتطلبات العسكرية والأمنية والوطنية.

ولم يكن هذا المشروع منفصلًا عن العمل الجماعي، بل تأسس على شراكة معرفية ومهنية، وتكامل بين الخبرات والكفاءات، وتراكم للجهود التي أسهمت في تأطير المنظومة وتطويرها. غير أن ما يلفت في تجربته هو إيمانه بأن الفكرة لا تكتمل بمجرد تأسيسها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتجدد. لذلك حمل مسؤولية ترسيخ هذا المسار والدفاع عن رؤيته، وعمل على نقل المعرفة والخبرة إلى من يواصلون العمل بعده. وهنا تتجلى إحدى صور القيادة الفكرية؛ أن تؤسس لما يتجاوز حدود حضورك، وأن تترك من بعدك منهجًا يستطيع الآخرون البناء عليه.

وفي المجال الإعلامي والعسكري، تجلّت قدرته على الجمع بين المعرفة التخصصية ومتطلبات الميدان. فلم يقتصر حضوره على تمرين «السيف السريع» عام 2018م، بل امتد إلى المشاركة في العديد من التمارين العسكرية والبرامج التدريبية، وتقديم المحاضرات في مجالات تخصصه، إلى جانب انخراطه في دورات التأهيل والتدريب العسكري داخل سلطنة عُمان وخارجها. وقد أتاحت له هذه التجارب تنويع خبراته، وتوسيع مداركه المهنية، وتعميق فهمه لطبيعة العمل العسكري ومتطلباته المتجددة.

وفي المؤتمرات الصحفية والفعاليات المصاحبة للتمارين العسكرية، كان يمتلك القدرة على استيعاب تفاصيل المشهد، وشرح الخطط والإجراءات بلغة تجمع بين الدقة العسكرية والوعي الإعلامي. ولم يكن ذلك مستغربًا ممن جمع بين خلفية أكاديمية في الإعلام وخبرة ميدانية عسكرية، وأدرك أن الاتصال في البيئة العسكرية يتجاوز نقل المعلومة إلى بناء رسالة واضحة ومنضبطة، تستوعب أبعاد الحدث وسياقاته وأهدافه. كما عكست مشاركاته التدريبية ومحاضراته اهتمامًا مستمرًا بتطوير المعرفة وتبادل الخبرات، وإيمانه بأن التأهيل المتواصل أحد مرتكزات الكفاءة والجاهزية.

وامتدت مسيرته إلى ميادين العمل الوطني، من خلال عمله في وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040، حيث تولّى الإشراف العام على البرنامج التمكيني التواصلي للبرامج الوطنية «نتقدم بثقة». وقد مثّلت هذه المحطة امتدادًا طبيعيًا لخبرته في الاتصال الاستراتيجي والتوجيه والتخطيط؛ إذ عمل على تنظيم مسارات البرنامج، والإشراف على فريقه، وتوجيه الجهود نحو التعريف بالبرامج الوطنية وتعزيز حضورها في الوعي المجتمعي. ولم يكن اهتمامه منصبًا على نقل المعلومات فحسب، بل على تقديمها في سياق يقرّب أهداف الرؤية وأولوياتها إلى المجتمع، ويعزز فهمه لما تتطلبه المرحلة من مشاركة ووعي ومسؤولية.

ثم عيّن في وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 كخبير بالوحدة، تقديرًا لجهوده السابقة في الإشراف العام على البرنامج التمكيني التواصلي «نتقدم بثقة»، وما امتلكه من رصيد معرفي وتجربة مهنية. ويحمل هذا الانتقال دلالة مهمة في مسيرته؛ إذ لم تعد مساهمته مقتصرة على الإشراف على برنامج وطني، بل امتدت إلى توظيف خبرته في موقع يستند إلى المعرفة المتراكمة والرؤية والتحليل. وهكذا انتقل عطاؤه بين ميادين المؤسسة العسكرية والعمل الوطني، حاملًا معه أدوات الفكر الاستراتيجي والاتصال والتخطيط، ومؤكدًا أن الخبرة الحقيقية لا تحدّها المواقع، وأن الكفاءة تظل قادرة على الإضافة حيثما وُظّفت.

وتكشف هذه المحطات مجتمعة عن شخصية لم تكن تتعامل مع العمل بوصفه سلسلة من المهام المنفصلة، بل باعتباره منظومة مترابطة تبدأ بالفكرة، وتمر بالتخطيط والتنفيذ، وتنتهي بقياس الأثر واستدامته. كان قارئًا نهمًا، يميل إلى التحليل والتعمق، ويبحث عن الأبعاد التي قد لا تظهر في القراءة الأولى للمواقف. جمع بين التنظير والتطبيق، وبين دقة التخطيط ومرونة التعامل مع المتغيرات، وبين حزم المسؤولية واتزان القرار. ولم يكن يستمد حضوره من موقعه الوظيفي وحده، بل من قدرته على الإضافة الفكرية، ومن احترامه للمعرفة، وإيمانه بأهمية العمل الجماعي ونقل الخبرة.

وفي الجانب الإنساني، كانت دماثة الخلق والتواضع والصدق سمات حاضرة في علاقاته المهنية والاجتماعية. لم يكن ممن يبحثون عن الأضواء، بل ممن يتركون لأعمالهم أن تتحدث عنهم. وكان يؤمن بأن قيمة القيادة لا تقاس بما تمنحه من صلاحيات، بل بما تتيحه للآخرين من فرص للتعلم والمبادرة والنمو. لذلك تجاوز أثره حدود زمالة العمل إلى علاقة المعلم بمن تعلموا منه، والخبير بمن وجدوا في تجربته مرجعًا، والإنسان بمن لمسوا في تعامله احترامًا وتقديرًا.

لكن خلف هذه السيرة المهنية، التي اتسعت فيها مسؤولياته وتنوعت ميادين عطائه، كان ثمة إنسان نعرفه نحن بصورة مختلفة؛ إنسان له مكانه في تفاصيل الأسرة، وله حضوره الذي لا تصفه المناصب. فالرتبة التي حملها كانت عنوانًا لمسؤولية وطنية، أما الاسم الذي احتفظت به الأسرة فكان عنوانًا لعلاقة لا تحتاج إلى تعريف. ولعل من أكثر ما يختصر المفارقة بين العالمين أن الرجل الذي عرفته المؤسسات برتبته وخبرته، ظل في بيتنا «السادات»؛ اسمًا لا تستبدله الألقاب، وذكرى لا تختصرها سيرة مهنية.

ومع مرور عام على رحيله، تتسع مساحة التأمل في معنى ما يتركه الإنسان خلفه. فثمة إنجازات تنتهي بانتهاء زمنها، وأخرى تظل قابلة للحياة لأنها قامت على أسس علمية وفكرية، وثمة علاقات تنتهي عند حدود الحضور، وأخرى تظل ممتدة بما زرعته من محبة وثقة ووفاء. وقد كان لأنور نصيب من النوع الثاني؛ فما أسهم في بنائه من عمل مؤسسي، وما شارك في تطويره من معرفة، وما تركه من أثر في زملائه وأسرته، شواهد على أن قيمة الإنسان لا تقف عند لحظة رحيله، وأن بعض العطاء يواصل حياته في الآخرين حتى بعد غياب أصحابه.

إن الوفاء له اليوم لا يكون باستعادة الحزن وحده، بل بصون سيرته من الاختزال، والاعتزاز بما قدمه لوطنه، وتذكّر أن ما بناه من معرفة وعمل يستحق أن يُحفظ ويُستكمل. فالمؤسسات التي تستمر في تطوير ما أُسّس فيها، والأجيال التي تتلقى المعرفة وتضيف إليها، هي الامتداد الحقيقي لجهود من سبقوها. أما في محيط الأسرة، فيظل الوفاء أعمق من الكلمات؛ إنه الدعاء الذي لا ينقطع، والذكرى التي لا تتقادم، والمكانة التي لا يغيّرها مرور الزمن.

رحم الله أخي العقيد الركن أنور بن الصافي الحريبي، ورحم «السادات» الذي نادته به والدتنا، وظل الاسم الأقرب إليه في ذاكرتنا. نسأل الله أن يجعل سنوات عطائه، وما بذله من جهد وعلم وإخلاص في خدمة وطنه، في موازين حسناته، وأن يجزيه عن كل أثر طيب تركه خير الجزاء، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين.

ولكل من عرفه، نقول: إن الغياب حقيقة لا تتبدل، لكن الأثر هو ما يمنح السيرة امتدادها. وقد ترك أنور من الأثر ما يجعل سيرته حاضرة، وذكراه موصولة بالدعاء، واسمه مقرونًا بالاعتزاز.

عامٌ مضى على رحيلك يا أبا ” اليزن” ، وما زال اسمك في بيتنا كما نادَتك به أمنا، وما زالت سيرتك في وطنك شاهدة على ما قدمت، وما زال الدعاء لك عهدًا لا ينقطع.

رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته.
رحم الله «السادات»، وجعل هذا المقال شاهد وفاء لسيرته، وحفظًا لأثره، وامتدادًا لمحبة لا يغيّرها الغياب.

صحيفة اليوم العمانية - السادات.. كما نادته أمي، وكما سيبقى فينا.. سيرة في مقام الوفاء.. أنور الحريبي بعد عام من الرحيل
صحيفة اليوم العمانية – السادات.. كما نادته أمي، وكما سيبقى فينا.. سيرة في مقام الوفاء.. أنور الحريبي بعد عام من الرحيل

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img