راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
التاريخ والحاضر والجغرافيا ما زالوا يتمسكون بدور سلطنة عُمان كصانع سلام وضامن موثوق، فيما تتوسع شراكاتها مع الصين في النفط والطاقة الجديدة. وفي خضم جولة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، التي بدأت بزيارة دولة تاريخية إلى جمهورية الصين الشعبية يومي 1 و2 نوفمبر 2026 (الأولى لسلطان عُماني منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1978)، ثم توجهه إلى بروناي دار السلام، تبرز مكانة عُمان المحورية في المفاوضات السلمية كأمر مفصلي، حتى عندما تغلق الأبواب أمام الجميع.
رغم أن الجولة تحمل طابعاً اقتصادياً بارزاً، فإن الحراك الدبلوماسي ليس اختيارياً، بل أمر واقع يفرضه التوتر الإقليمي الذي قد ينفجر إلى حرب مفتوحة ذات نتائج غير محسوبة. عُمان، بفضل موقعها وثقتها المطلقة لدى الأطراف، تظل الملاذ الأخير. فبعد محاولات تجاوز دورها، عادت الأطراف المتصارعة إلى المظلة العُمانية، في دلالة عميقة على الثقة التي لا تتزعزع. الصين، التي كانت راعياً غير مباشر، أصبحت داخل غرفة المفاوضات مباشرة، وعُمان هي التي أدخلتها.
شراكة استراتيجية تتجاوز النفط إلى الطاقة الجديدة والتقنية
أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لسلطنة عُمان. بلغ حجم التبادل التجاري نحو 9.6 مليار ريال عُماني (حوالي 25 مليار دولار) في عام 2025، مع صادرات عُمانية تقارب 7.7 مليار ريال (غالبها نفط ومنتجات طاقة) مقابل واردات بنحو 1.9 مليار. واستثمارات الشركات الصينية المباشرة، بالشراكة مع جهاز الاستثمار العُماني، تجاوزت 33 مليار يوان في السنوات الأخيرة، شملت الطاقة والصناعة والبنية الأساسية والخدمات اللوجستية والتقنيات المتقدمة.
خلال المباحثات الرسمية مع الرئيس شي جين بينغ ورئيس مجلس الدولة لي تشيانغ في قاعة الشعب الكبرى ببكين، شهد الجانبان التوقيع على اتفاقية و14 مذكرة تفاهم وبروتوكول تعاون، بالإضافة إلى 23 اتفاقية استثمارية بمليارات الدولارات عبر جهاز الاستثمار العُماني. شملت المجالات: النفط والغاز، والطاقة المتجددة (الشمسية الكهروضوئية، الرياح، التخزين، نقل الكهرباء)، والهيدروجين الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتنمية الخضراء، وتبادل العملات المحلية، والدفع الرقمي، ونظام “بيدو” للملاحة الفضائية، وسلاسل الإمداد، والفضاء، واللوجستيات.
أكد جلالة السلطان حرص عُمان على تعزيز الشراكة الاستراتيجية، ومواءمة رؤية عُمان 2040 مع مبادرة الحزام والطريق، والانفتاح على اتفاقية ثنائية تفضيلية للتجارة والاستثمار. وأشار إلى أهمية الصناديق الاستثمارية المشتركة في الصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. هذه الخطوات تحول التعاون من الاعتماد التقليدي على النفط إلى شراكة متعددة الأبعاد تدعم التنويع الاقتصادي العُماني وتجعل بكين شريكاً موثوقاً في الطاقة الجديدة.
الدور الوساطي: عندما تغلق الأبواب تبقى مسقط الملاذ
في البيان المشترك، دعت عُمان والصين إلى وقف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع اتساع نطاق الحرب، واستئناف الحوار والتفاوض للتوصل إلى اتفاق شامل يشمل الملف النووي، مع ضرورة استعادة الملاحة الطبيعية والآمنة في مضيق هرمز. أكد الرئيس شي أن الشرق الأوسط والخليج يجب ألا يصبحا ساحة لتنافس القوى العظمى، وأن الصين مستعدة للتعاون مع الدول العربية لتحقيق سلام دائم، مشيداً بالدور العُماني في تبديد الخلافات وتعزيز الثقة.
تقارير إعلامية أشارت إلى مسارات موازية أو ثلاثية (بكين-مسقط-طهران) لمبادرة وساطة عُمانية جديدة، بمشاركة مباشرة للصين وضمانات اقتصادية وأمنية. هذا التحول يجعل الصين داخل غرفة المفاوضات، بعد أن كانت داعماً غير مباشر، بفضل القناة العُمانية المفتوحة مع الجميع. عُمان التي حافظت على حيادها وثقتها التاريخية، أثبتت مرة أخرى أنها الضامن الذي تلجأ إليه الأطراف عندما تفشل المسارات الأخرى.
الجغرافيا تفرض دورها: مضيق هرمز شريان حيوي، وموقع عُمان الاستراتيجي يجعلها جسر تواصل. التاريخ يؤكد: من الوساطات السابقة إلى الحاضر، تبقى مسقط الملاذ الأخير “شاء من شاء وأبى من أبى”. الجولة المكوكية للسلطان هيثم، بين الاقتصاد والسياسة، ليست مجرد زيارات رسمية، بل تعبير عن واقع إقليمي ودولي يحتاج إلى صانع سلام موثوق وشريك اقتصادي مستدام. عُمان، بسلطانها، تواصل رسم هذا الدور بثبات.
حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل شر…


