بقلم: د. حامد بن شظا المرجان
أستاذ جامعي ومستشار إعلامي سابق
لم تكن تجارة الرقيق مجرد صفحة سوداء في تاريخ البشرية، بل واحدة من أبشع الجرائم المنظمة التي ارتُكبت بحق الإنسان، حين تحولت حياة الملايين من الأفارقة إلى سلعة تباع وتشترى، وتُسخّر لخدمة الثروة الأوروبية والتوسع الاستعماري عبر المحيط الأطلسي.
واليوم، يعود هذا الملف إلى واجهة النقاش السياسي والأخلاقي في بريطانيا، بعد تصريحات رئيس الوزراء آندي بيرنهام، الذي أبدى انفتاحه على الاستماع إلى المطالب المتعلقة بتقديم اعتذار رسمي عن دور الدولة البريطانية في تجارة الرقيق، مع رفضه في الوقت ذاته فكرة التعويضات المالية.
إن أهمية هذا التصريح لا تكمن في الاعتذار المحتمل وحده، بل في أنه يعيد فتح سؤال تاريخي مؤجل: كيف يمكن لدول بنت جانباً مهماً من ثرواتها على استغلال البشر أن تتعامل اليوم مع إرث تلك الجريمة؟
بريطانيا لم تكن وحدها
من المهم الإشارة إلى أن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي لم تكن مسؤولية دولة واحدة، بل شاركت فيها قوى أوروبية متعددة، أبرزها البرتغال وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا والدنمارك، إضافة إلى دول وشركات وتجار من جنسيات مختلفة.
كما شاركت بعض الممالك والكيانات الإفريقية في أسر أشخاص وبيعهم للتجار الأوروبيين، وإن كان ذلك لا يساوي من حيث الحجم والتنظيم والقوة الاقتصادية دور الإمبراطوريات الأوروبية التي حولت تجارة البشر إلى منظومة تجارية واستعمارية واسعة.
وقد نقلت السفن الأوروبية ملايين الأفارقة قسراً إلى الأمريكتين ومنطقة الكاريبي، حيث أُجبروا على العمل في المزارع والمناجم، وتعرضوا لظروف قاسية وحرمان من أبسط حقوقهم الإنسانية.
الثروة الأوروبية وإرث الاستعمار
لم تكن الأرباح الناتجة عن تجارة الرقيق محصورة في التجار والسفن، بل امتدت إلى قطاعات مصرفية وتجارية وصناعية، وأسهمت في تكوين ثروات ومصالح اقتصادية في عدد من الدول الأوروبية.
وهنا تبرز إشكالية العدالة التاريخية؛ فهل يمكن فصل الازدهار الاقتصادي الذي تحقق في بعض المجتمعات الأوروبية عن الممارسات الاستغلالية التي أسهمت في تمويله؟
إن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تحميل الأجيال الحالية ذنباً شخصياً لم ترتكبه، لكنه يفرض عليها مسؤولية أخلاقية وتاريخية في فهم آثار الماضي وعدم تجاهل نتائجه الممتدة.
الاعتذار أم التعويضات؟
تكمن نقطة الخلاف الأساسية في أن بريطانيا تبدو مستعدة لمناقشة الاعتذار الرسمي والحوار مع الدول والمجتمعات المتضررة، لكنها ترفض التعويضات المالية.


