هل توطين مصانع الأدوية في سلطنة عُمان.. ستتحول من التصنيع إلى مراكز بحثية تُوظّف الشباب وتُخفّض الأسعار

نشرت :

راي اليوم

صحيفة اليوم العمانية

 تشهد سلطنة عُمان تحولاً استراتيجياً في قطاع الصناعات الدوائية، يتجاوز مجرد زيادة الإنتاج المحلي نحو بناء منظومة متكاملة تربط المصانع بالجامعات والكليات ومراكز الأبحاث. الهدف المزدوج: تعزيز الأمن الدوائي الوطني، وخلق فرص عمل نوعية للشباب، والمساهمة في ضبط أسعار الأدوية التي شهدت ارتفاع ملحوظاً في السنوات الأخيرة.

كيف تتحول مصانع الأدوية إلى محركات للبحث العلمي؟

الرؤية الرسمية واضحة التجمعات الصناعية المتخصصة ليست مجرد مصانع، بل منصات تدمج التصنيع مع البحث والتطوير والتدريب. أعلنت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة (OPAZ) مؤخراً عن المرحلة الأولى من تجمعات الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، بمساحة إجمالية 1.5 مليون متر مربع موزعة بالتساوي (500 ألف متر مربع لكل منها) على المنطقة الحرة بصلالة، ومدينة ريسوت الصناعية، ومدينة خزائن الاقتصادية.

هذه التجمعات مدعومة بموافقة سامية من جلالة السلطان هيثم بن طارق، وتهدف إلى جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية عبر حوافز قوية تشمل إعفاءات جمركية على المعدات والمواد الخام، وإعفاءات ضريبية تصل إلى 30 عاماً، وحق انتفاع بالأراضي يصل إلى 50 عاماً، وتملك أجنبي بنسبة 100%. وتُوقع أن تتطور هذه التجمعات تدريجياً لتشمل مختبرات بحثية وتطويرية، وإنتاج أدوية متخصصة، وتقنيات حيوية، ومراكز تدريب.

على أرض الواقع، بدأت الشراكات الأكاديمية-الصناعية تظهر. وقّعت جامعة نزوى مذكرة تفاهم مع الشركة الوطنية للصناعات الدوائية (NPI) لتعزيز تدريب طلاب الماجستير في الصيدلة الصناعية ودعم البحوث المشتركة في تطوير الأدوية. كما تخطط كلية الصيدلة في الجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا لإنشاء مركز بحوث صيدلانية مجهز بمرافق حديثة، يركز على التحديات الصحية المحلية والإقليمية، ويبنى شراكات مع القطاع الصناعي.

هيئة البحث العلمي والابتكار تلعب دوراً محورياً. أطلقت برامج تمويل استراتيجية بالشراكة مع وزارة الصحة، منها “البرنامج الاستراتيجي للبحوث في الصحة” الذي يضع “تعزيز الاقتصاد الدوائي والأمن الدوائي” كأولوية وطنية مباشرة. كما مولت الهيئة 8 مشروعات بحثية نوعية ضمن برنامج التعاون مع كراسي السلطان قابوس العلمية، ودعمت مئات المقترحات البحثية عبر برنامج التمويل المؤسسي المبني على الكفاءة. هذه الآليات تُشجع على ربط الباحثين في الجامعات بالمصانع لحل تحديات الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا.

أبرز الخطط الحكومية لتوسيع البحث والابتكار في القطاع

توطين الصناعة وزيادة الإنتاج: يوجد حالياً نحو 20 مصنعاً طبياً (7 أدوية + 2 مواد خام + 11 مستلزمات طبية)، مع 18 مشروعاً جديداً قيد الإنشاء أو التنفيذ. في 2025، رُخصت 6 مصانع جديدة، وبلغ إنتاج الشركات الوطنية 389 صنفاً دوائياً. ارتفعت مشتريات وزارة الصحة من الشركات الوطنية بنسبة 150% لتصل إلى 18.65 مليون ريال عُماني، محققة وفورات بلغت 27.4 مليون ريال. الحوافز الاستثمارية واتفاقيات الشراء المسبق: توفر الوزارة اتفاقيات شراء تصل إلى 30% من احتياجاتها للمنتجات المحلية، مما يوفر ضماناً للطلب ويشجع المستثمرين. الربط مع رؤية 2040 واستراتيجية التصنيع: التركيز على القيمة المضافة العالية، ونقل المعرفة، وتطوير الكفاءات الوطنية في الإنتاج وضمان الجودة والبحث والتطوير. برامج الهيئة البحثية تمويل البحوث الاستراتيجية، دعم النشر العلمي، تحويل مشاريع التخرج إلى شركات ناشئة (أبجريد)، ومسرعات للشركات الناشئة في قطاعات تشمل الصحة والتكنولوجيا الحيوية.

الصادرات الدوائية والطبية بلغت نحو 26.5 مليون ريال في 2025، بينما لا تزال الواردات مرتفعة (حوالي 345 مليون ريال للمنتجات الصحية في 2024)، مما يؤكد الحاجة إلى التوسع.

هل ستكون المصانع جاذبة للشباب الباحث عن عمل؟

يجب ان تكون هناك قراءة واضحة في هذا الاتجاه. فالتوسع يخلق وظائف متخصصة في التصنيع، ضمان الجودة، البحث والتطوير، التنظيم والرقابة، واللوجستيات. المسؤولون يؤكدون أن أحد الأهداف الرئيسية هو “خلق وظائف متخصصة للعمانيين”. في القطاع الصحي عموماً، بلغت نسبة التعمين في وزارة الصحة 71.4% عام 2025. وفي بعض المشاريع الصناعية الطبية، مثل توسعات في صحار، سجلت نسب تعمين تتجاوز 30% مع خطط لرفعها عبر التدريب المتخصص. الشراكات مع الجامعات (مثل تدريب طلاب الصيدلة الصناعية) تضمن تزويد المصانع بكوادر جاهزة. كما أن الأولوية في بعض المهن الصيدلانية للتعمين، مدعومة بمبادرات حكومية، تجعل القطاع خياراً واعداً للخريجين. الرواتب في مجال الصيدلة تتراوح عادة بين 500-900 ريال للمبتدئين وترتفع إلى أكثر من 1500 ريال للمناصب الإشرافية، مع فرص في المصانع أعلى قيمة مضافة. ومع ذلك، النجاح يعتمد على استمرارية برامج التدريب ونقل المعرفة من الشركاء الدوليين، حتى لا تبقى الوظائف المتخصصة معتمدة على الخبرات الأجنبية.

هل ستساهم المصانع في أسعار أفضل في السوق؟

البيانات تشير إلى تأثير إيجابي ملموس. منذ 2021، خُفضت أسعار 591 دواء بمتوسط انخفاض 27%، منها 227 دواء في عام واحد فقط. الارتفاع الكبير في مشتريات المنتجات الوطنية والوفورات المتحققة (27.4 مليون ريال) يعكسان قدرة الإنتاج المحلي على الضغط على الأسعار وتقليل الاعتماد على الواردات المكلفة. الإنتاج المحلي يقلل تكاليف النقل والجمارك والمخاطر اللوجستية، ويمنح الحكومة أدوات تفاوض أفضل. مع توسع التجمعات وزيادة الحجم، يُتوقع تعزيز هذا الاتجاه، خاصة مع إعطاء الأولوية للمنتجات المحلية في التسجيل والمشتريات الحكومية. غير أن التأثير الكامل على أسعار التجزئة يعتمد أيضاً على سياسات التسعير والتوزيع والمنافسة في السوق.

مصانع الأدوية في سلطنة عُمان لم تعد مجرد خطوط إنتاج؛ بل يجب ان تتحول، بدعم حكومي واضح من رؤية 2040 وهيئة البحث العلمي والابتكار وOPAZ ووزارة الصحة، إلى نوى لمراكز بحثية وتطبيقية تربط الصناعة بالأكاديميا. الخطط جارية بقوة: تجمعات متخصصة، حوافز استثمارية، تمويل بحثي موجه، وشراكات جامعية. هذا المسار يفتح أبواب عمل نوعية للشباب، ويساهم فعلياً في خفض الأسعار وتعزيز الأمن الدوائي. التحدي المتبقي هو تسريع نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية بشكل مستدام، ليصبح القطاع ركيزة حقيقية للاقتصاد المعرفي.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل شر…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img