بقلم: د. حامد بن شظا المرجان
أستاذ جامعي و مستشار إعلامي سابق
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد منافسة حزبية تقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل حملت رسالة سياسية تتجاوز حدود واشنطن إلى عواصم العالم، خصوصاً في الشرق الأوسط وأوروبا. فقد جاءت خسارة الجمهوريين للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ لتضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد، عنوانه أن البيت الأبيض لم يعد يمتلك الغطاء التشريعي الذي كان يساعده على تمرير أجندته الداخلية والخارجية.
إن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تمثل تحولاً مهماً في معادلة الحكم الأمريكي، وتفتح الباب أمام مرحلة من الرقابة والمساءلة السياسية، وربما المواجهة التشريعية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
من البيت الأبيض إلى الكونغرس: تراجع هامش المناورة
لا تعني خسارة ترامب للكونغرس فقدانه سلطاته الدستورية كرئيس، فهو لا يزال القائد الأعلى للقوات المسلحة، والمسؤول الأول عن السياسة الخارجية وإدارة الجهاز التنفيذي. لكن الفارق الجوهري أن قدرته على تحويل رؤيته السياسية إلى قوانين وميزانيات وقرارات تشريعية ستصبح أكثر تعقيداً.
وسيكون الكونغرس الديمقراطي قادراً على فتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، ومراجعة الإنفاق الحكومي، وتعطيل بعض التعيينات والبرامج، فضلاً عن استخدام سلطة الميزانية للضغط على الإدارة.
وهنا تكمن المفارقة: قد يبقى ترامب قوياً في صلاحياته التنفيذية، لكنه سيواجه قيوداً سياسية وتشريعية أكبر من تلك التي اعتاد عليها خلال فترة سيطرة حزبه على الكونغرس.
إيران: هل تتغير حسابات المواجهة؟
يُعد الملف الإيراني من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وما تفرضه المواجهة من أعباء اقتصادية وأمنية على الولايات المتحدة وحلفائها.
وقد أظهرت نتائج الانتخابات أن الحرب مع إيران كانت من العوامل التي أثرت في المزاج الانتخابي الأمريكي، إلى جانب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. وهذا يضع الإدارة أمام تساؤلات داخلية متزايدة حول كلفة المواجهة وأهدافها وحدودها.
ومن المتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى ممارسة رقابة أشد على القرارات العسكرية والإنفاق المرتبط بالحرب، والمطالبة بتوضيحات حول الأهداف الاستراتيجية والجدول الزمني والنتائج المتوقعة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستتجه تلقائياً إلى التسوية مع طهران؛ فالسياسة الأمريكية تجاه إيران تتأثر أيضاً بالمؤسسات الأمنية والعسكرية وموازين القوى الإقليمية والتحالفات الدولية.
إسرائيل: مراجعة الدعم أم استمرار الالتزام؟
تواجه العلاقة الأمريكية الإسرائيلية اختباراً سياسياً جديداً. فالديمقراطيون ليسوا كتلة واحدة في مواقفهم من إسرائيل، لكن وجود أغلبية ديمقراطية في المجلسين قد يوسع مساحة النقاش بشأن المساعدات العسكرية، والحرب في المنطقة، والقضية الفلسطينية، وحدود الدعم الأمريكي للحكومة الإسرائيلية.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين زيادة الرقابة على سياسات إسرائيل وبين حدوث تحول جذري وفوري في التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
فهذا التحالف له امتدادات مؤسسية وسياسية وأمنية عميقة، ولا يتغير بمجرد تبدل الأغلبية البرلمانية.
دول الخليج: بين الأمن الأمريكي وتوازنات المنطقة
بالنسبة لدول الخليج، فإن التحول في الكونغرس الأمريكي يفرض قراءة دقيقة للمشهد الجديد.
فالعلاقات الخليجية الأمريكية لا تقوم فقط على العلاقة مع الرئيس، وإنما تشمل مؤسسات الدفاع والكونغرس والاقتصاد والطاقة والتعاون الأمني.
وقد تجد دول الخليج نفسها أمام بيئة سياسية أمريكية أكثر تعددية في النقاش بشأن الحرب مع إيران، وأمن الممرات البحرية، والتسليح، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الحوار الإقليمي، وتجنب الارتهان الكامل لتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية.
إن أمن الخليج لا يمكن أن يظل مرتبطاً فقط بتوازنات الانتخابات الأمريكية، بل يحتاج إلى رؤية إقليمية طويلة الأمد تقوم على الحوار وتخفيف التوتر وبناء منظومة تعاون أمني واقتصادي بين دول المنطقة.
أوروبا وأوكرانيا: فرصة لإعادة ترتيب العلاقات؟
لن تقتصر تداعيات خسارة ترامب للكونغرس على الشرق الأوسط. فأوروبا تراقب بدورها مستقبل العلاقة عبر الأطلسي، خصوصاً في ظل الخلافات المتعلقة بالإنفاق الدفاعي وحلف الناتو والحرب الروسية الأوكرانية.
وقد يجد الأوروبيون في صعود المعارضة الديمقراطية داخل الكونغرس مساحة إضافية للحوار مع المؤسسات الأمريكية، خصوصاً في القضايا التي تتعارض فيها أولوياتهم مع توجهات الإدارة الحالية.
لكن ذلك لا يعني أن الكونغرس يستطيع إدارة السياسة الخارجية بدلاً من الرئيس؛ فالمعادلة الأمريكية تظل قائمة على تداخل الصلاحيات وتوازن المؤسسات.
هل يتجه ترامب إلى التصعيد الخارجي لتعويض خسارته الداخلية؟
هذا السؤال يفرض نفسه في قراءة المرحلة المقبلة، لكنه يحتاج إلى الحذر من افتراض أن كل تحرك خارجي سيكون محاولة للتعويض عن خسارة سياسية داخلية.
فالرئيس قد يواصل استخدام أدواته التنفيذية في السياسة الخارجية، خصوصاً في ملفات العقوبات والتفاوض والتحركات العسكرية، بينما يحاول الديمقراطيون ممارسة ضغط سياسي وتشريعي أكبر عليه.
وقد تتحول الأشهر المقبلة إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الأمريكي على إدارة الخلاف بين مؤسساته دون أن يتحول إلى أزمة دستورية أو شلل سياسي.
الخلاصة: الولايات المتحدة أمام مرحلة سياسية مختلفة
إن ما أفرزته انتخابات 2026 لا يمثل مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري، بل يكشف عن تغير في موازين القوة داخل النظام السياسي الأمريكي.
فالرسالة الأهم أن الرئيس الأمريكي، مهما اتسعت صلاحياته التنفيذية، لا يستطيع تجاهل الكونغرس عندما يتعلق الأمر بالتشريع والميزانية والرقابة والمساءلة.
أما الشرق الأوسط، فقد يجد نفسه أمام مرحلة أكثر تعقيداً في حسابات واشنطن، حيث تتداخل الاعتبارات الانتخابية الداخلية مع المصالح الاستراتيجية والتحالفات الإقليمية.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل تدفع هذه النتائج الولايات المتحدة إلى مراجعة سياساتها الخارجية والبحث عن تسويات سياسية، أم أن استمرار التنافس بين البيت الأبيض والكونغرس سيجعل السياسة الأمريكية أكثر اضطراباً، وتنعكس تداعيات ذلك على منطقة تعيش أصلاً فوق صفيح ساخن؟
إن الإجابة لن تتحدد في واشنطن وحدها، بل ستظهر أيضاً في طهران وتل أبيب والعواصم الخليجية والأوروبية، حيث ينتظر الجميع معرفة حدود التغيير في السياسة الأمريكية بعد انتخابات منتصف الولاية.


