حوار وإعداد: مهدي منصور | مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع | العراق_اقليم كردستان
لا تُكتب ذاكرة المهرجانات بمجرد جمع الصور والوثائق والبيانات الصحفية أو استعادة شهادات المشاركين، فالتاريخ الثقافي يحتاج إلى ما هو أبعد من التوثيق؛ يحتاج إلى قراءة نقدية تكشف نشأة الأفكار، وتفسر التحولات، وتعيد ترتيب الوقائع ضمن سياق فكري وفني واضح. ومن هنا تبرز أهمية تجربة توثيق عشر سنوات من المهرجان الدولي لمسرح الشارع في كركوك، بوصفها محاولة لقراءة مسيرة بدأت بفعل احتجاجي في الفضاء العام، ثم تطورت إلى مشروع ثقافي وفني تتداخل فيه الذاكرة بالممارسة المسرحية والنقد والمعرفة.
في هذا الحوار، نتوقف مع الناقد والباحث المصري حسام الدين مسعد عند مفهوم التأليف التاريخي، وحدود العلاقة بين الوثيقة والشهادة، والتحولات التي تصيب الفعل الاحتجاجي حين يتحول إلى مؤسسة ثقافية، فضلاً عن أسئلة الذاكرة والتوثيق ومصير الشرارة الأولى للمهرجان بعد عشر سنوات من التجربة.
- ما الذي يمنح الباحث حق التوقيع على رواية تاريخية، إذا كانت الوقائع ليست ملكه؟
المسافة التي تفصل بين جامع الأرشيف ومؤلف الكتاب التاريخي تكمن في القدرة على تحويل الوثائق والشهادات من مواد متفرقة إلى رواية متماسكة، تنتج رؤيةً وتكشف العلاقات وتفسر التحولات، ويتحمل الباحث مسؤولية بنائها وتأويلها.
- حين تتعارض الوثيقة مع الشهادة، هل الفراغ بينهما نقص يُسدّ، أم جزء من الحقيقة نفسها؟
الفراغ بين الوثيقة والشهادة ليس نقصًا ينبغي سده بالتخمين، بل جزء من الحقيقة التاريخية؛ لأنه يكشف حدود الذاكرة والتوثيق، ويدعو الباحث إلى التحقيق والتفسير دون اختلاق ما لا يعرفه.
- حين يتحول الاحتجاج إلى مشروع ثقافي، هل يربح المهرجان ذاكرته ويخسر شرارته الأولى؟
ليس بالضرورة؛ فقد يربح المهرجان ذاكرته دون أن يخسر شرارته، إذا حافظ على جوهر الاحتجاج في صورته الجديدة، وحوّل طاقة الرفض الأولى إلى فعل ثقافي مستمر، لا إلى ذكرى احتفالية، وهذا ما تحقق في تجربة المهرجان الدولي لمسرح الشارع في كركوك.
- حين يصير الشارع الذي وُلد فيه الاحتجاج موضوعاً للتوثيق والتأليف والتاريخ، هل يبقى المهرجان فعلاً حيّاً يقاوم النسيان، أم يتحول إلى ذاكرة تحفظه بالطريقة نفسها التي تُحنِّط بها ما تحبّ؟
أعتقد أن المهرجان يبقى فعلاً حيّاً ما دام التوثيق لا يحوّل التجربة إلى ماضٍ مغلق، بل يعيد مساءلتها ويكشف تناقضاتها ويفتح إمكاناتها. وهذا ما رصدته وأنا أشتغل على تجربة المهرجان الدولي لمسرح الشارع، بعد استخلاص الوقائع التاريخية الحقيقية وطرح ما هو غير صائب؛ فالتاريخ الحقيقي لا يُحنّط ما نحب، بل يحفظه قابلاً للنقد والتجدد.
- ماذا تعني لك عشر سنوات من مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع؟ وهل تنظر إلى هذه المحطة بوصفها احتفالاً بالاستمرارية، أم بوصفها لحظة تستدعي مراجعة التجربة وتقييم ما أنجزه المهرجان فنياً وثقافياً، وما ينبغي أن يؤسسه للسنوات القادمة؟
تعني لي السنوات العشر انتقال مهرجان كركوك من فعل احتجاجي وُلد في الشارع إلى مشروع ثقافي ينتج العرض والمعرفة والذاكرة. ولا أراها مجرد احتفال بالاستمرارية، بل لحظة للمراجعة النقدية؛ فعدد الدورات لا يكفي لقياس النجاح، وإنما ما تركته من أثر فني وثقافي، وما أسسته من تقاليد بحثية ونقدية، وما صنعته من علاقة بين المسرح والمدينة والجمهور.
إن الاحتفاء الحقيقي بهذه المسيرة لا يكون بتعداد إنجازاتها فقط، بل بمساءلة ما لم يتحقق، وتحديد ما ينبغي أن يتحول من مبادرات فردية إلى مؤسسات مستدامة، حتى لا تظل السنوات العشر مجرد ذاكرة جميلة، بل تصبح أساساً لعقد جديد أكثر نضجاً واتساعاً وتأثيراً.
تكشف إجابات الناقد والباحث المصري حسام عن أهمية الانتقال من الاحتفاء بالماضي إلى مساءلته، ومن جمع الوثائق إلى إنتاج معرفة تاريخية قابلة للنقد. فالمهرجان الذي يحتفل بعشر سنوات من تجربته لا يحتاج إلى ذاكرة تمجّد منجزاته بقدر حاجته إلى قراءة تكشف ما تحقق وما تعثر وما يزال ينتظر التأسيس.
إن القيمة الحقيقية لتوثيق تجربة مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع لا تكمن في تثبيت عشر سنوات من العروض والفعاليات في كتاب، بل في جعل هذه السنوات نقطة انطلاق لفهم علاقة المسرح بالشارع والمدينة والاحتجاج، وفي إبقاء التجربة مفتوحة أمام أجيال جديدة من المسرحيين والباحثين والنقاد. فالتاريخ الذي يستحق أن يُكتب ليس ذلك الذي يحفظ الماضي من النقد، بل الذي يمنحه القدرة على الاستمرار والتجدد.



