حين تتكلم الحروف… وتبوح الحكاية بسرّها
مجلس الحكواتي يستضيف الأديبة ميّادة مهنّا سليمان
في مجلسٍ لا تُروى فيه الحكايات فحسب، بل تُصاغ من نبض التجارب وتُقطف من شجرة الروح، نلتقي اليوم بقامة أدبية عربية امتد حضورها بين الشعر والسرد والنقد، ووصل صداها من الورق إلى المنابر الإعلامية والثقافية.
هي أديبة جعلت من الكلمة رسالة، ومن الحرف موقفًا، ومن الأدب رحلةً ممتدة نحو الإنسان.
وفي هذا اللقاء نفتح نوافذ الحوار معها عبر أسئلة تبحث عن المعنى خلف النص وتجربة الإبداع.
س1: متى بدأتِ رحلتكِ مع الكلمة، ومتى أدركتِ أن الأدب هو قدركِ؟
ج1: عندما اكتشفتُ أنِّي أمتلكُ أجنحةً خفيّةً تُحلِّق بي حيثُ أريد، ومتى أريد.
عندما أيقنتُ أنِّي متمرِّدة، مشاكسة، حالمة، طفلة، أكتبُ شيئًا يهب حلاوةً عند سماعه، وحلاوةً عند قراءته، وحلاوةً عند تذكُّره، وما زالت هذه الحلاوة الطعمَ الذي يفتح شهيّتي، لأتلذّذ بمرأى أصنافٍ عديدةٍ من الإبداع على مائدة الإلهام.
الأدب الراقي هو قدري الجميل؛ لأنَّ صرختي الأولى كانت قصيدةً، ولأنِّي خُلقتُ وفي يدي قلمٌ من ذهب.
س2: كيف تصفين مسيرتكِ الأدبية من البدايات حتى هذا الحضور المتنوع؟
ج2: أراها رحلةً في دربٍ أخضرَ مليءٍ بالفراشات، تُثملني فيه روائح الزهور، ويمتلئ قلبي من هوائه المنعش، وتنتعش روحي بنسائمه العليلة.
رحلةً كانت بدايتها في طريقٍ صحراويٍّ موحشٍ، ورويدًا رويدًا بدأ الدربُ يُخصِب، وتربةُ العطاء تحتضنُ بذور الاجتهاد، فتُشرقُ عليها شمس الأمل، لتُزهر، وتملأ حياتي ربيعًا دائمًا، والحمد لله.
س3: بين الشعر والسرد والنقد… أين تجدين نفسكِ أكثر؟ ولماذا؟
ج3: أرى نفسي في كلّ جنس أدبيّ يعطيني حافزًا لأبدع به، فيجعل القرّاء يتلهّفون لجديدي فيه.
لكن حاليًّا بتُّ أميل إلى السرد القصصي والروائي أكثر من أجناس أخرى، وقد كنتُ سابقًا أفضّل الشعر. ربّما مع النضج تصبح الكتابة السردية التي تنقل الواقع أو تشير لكوارثه وتُظهر انعكاساته، الأقرب إلى خيارات الكاتب من شعرٍ حالمٍ قد لا يصف إلا مشاعره، وقد لا يحكي إلا عن خصوصياته؛ السرد تجربة مختلفة أكثر غِنىً من الشعر.
س4: كيف تحافظين على بصمتكِ الخاصة رغم تنوع الأجناس الأدبية؟
ج4: أبتعد عن المألوف، وأحاول تجديد القديم، وتحويل شيء سلبي إلى حالة جمالية، كما فعلت عندما كتبت قصيدتي (حزامٌ ناسفٌ من الحبّ).
كما أنّني أقتبس من الموروث الاجتماعي والديني وأبدع به، مثلًا قصيدتي: (واطلب العشق ولو في الصين)، وعنوان ديواني (يُخلق من الشبه ياسمين)، وومضتي:
“كلَّما دخل الهجرُ محراب قصائدي
وجد عندها عشقًا”.
س5: ماذا أضافت لكِ تجربة الصحافة والإعلام على مستوى اللغة والتعبير؟
ج5: أضافت لي الكثير عمومًا: الغنى، الثقافة المتزايدة، التعرّف على أصدقاء وعادات ولهجات جديدة، والانتشار المضاعف.
بالإضافة إلى أنّها حقّقت لي حلمًا أعشقه منذ طفولتي؛ حيث كنتُ أتمنى أن أكون صحفية، لكنّي تجاهلت هذه الرغبة بسبب انشغالي في عوالمي الأدبية، ومن فضل الله الكريم أتتني دون أن أسعى إليها، وهذه نعمة عظيمة ممتنّة لله عليها.
س6: كيف تنظرين إلى دور المرأة الكاتبة في المشهد الثقافي العربي اليوم؟
ج6: أراها موجودة بقوة — أتحدث هنا عن الكاتبات الحقيقيات — لا متطفلات المنابر، متسوّلات فرص الظهور الإعلامي!
الكاتبات المبدعات تغزو كتاباتهنّ الوطن العربي، وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار أسماء لها حضورها المتميز.
س7: ما الذي يجذبكِ إلى أدب الطفل؟ وهل ترينه أكثر صعوبة من الكتابة للكبار؟
ج7: يجذبني عالم البراءة، وتجذبني الطفولة التي لم تفارقني بعد رغم عقدي الرابع؛ الطفولة حالة أعيشها مع نفسي، وأولادي، وأصدقائي، وقرّائي، وشخصياتي الإبداعية.
وأرى أنّ من يستطيع المحافظة على طفولته في هذا العالم المليء بالمادية واللاإنسانية هو إنسان نقي ومبارك من الله.
إنّ أدب الطفل ليس سهلًا، وعلى بعض الكتّاب أن ينتبهوا من فخّ الاستسهال، فتكون كتاباتهم راقية بسيطة بعيدة عن الابتذال والسطحية.
س8: في ظل انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كيف ترين تأثيرها على خيال الطفل وعلاقته بالقراءة والقصة؟ وهل ما زال الأدب قادرًا على المنافسة؟
ج8: تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في نشر القصص وتحبيب الطفل بها من خلال رؤية أغلفتها وبعض رسوماتها، أو من خلال قراءتها في مجموعات مخصّصة لأدب الطفل، ولكن لا نستطيع إنكار أنّ هذه الوسائل ذاتها تسرق الطفل من الكتاب في كثير من الأحيان، وأنّ المنافسة باتت أصعب بكثير من السابق.
هنا يبرز دور الأهل أولًا، والمدرسة ثانيًا في توعية الطفل، وتذكيره بأخطار تلك الوسائل، وبقيمة المطالعة وجمالية القراءة.
س9: كيف تتعاملين مع النص حين تكونين ناقدة؟ وهل ما زال النقد الأدبي اليوم منصفًا؟
ج9: حين أكون ناقدة أقرأ كثيرًا، أقرأ الكتاب ثلاث مرات: مرة قراءة استكشاف وفضول واستمتاع، ومرة قراءة فهم عميق، ومرة قراءة اختيار شواهد على نقدي للكتاب.
للأسف، معظم النقّاد يكتفون بقراءات سطحية للعمل، والآن باتت الطامة الكبرى: قراءات نقدية مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي!
عدا عن أنّ النقد اليوم لا يواكب هذا الكم الكبير من الإبداع، أضف إلى ذلك النقد المليء بمصطلحات غرائبية تُسبّب وجود فجوة عميقة بين القارئ وبين النقد.
س10: من أين تنبع أفكاركِ؟ وكيف تولد لحظة الكتابة لديكِ؟
ج10: تنبع أفكاري من الله الكريم الذي لطالما سألت نفسي: كم يُحب الله (ميّادة)، حتى اصطفاها ليلقي عليها محبة الناس، وكنوز الإبداع، وهبة الإشراق الكونية؟
أما لحظة الكتابة، فتكون أحيانًا انهمار حبّات الفكر وزخّات الشغف، وأحيانًا سيول مشاعر، وفيضانات استنكار لواقعٍ لا إنساني؛ الكاتب الإنسان لا يتخلّى عن قلبه وضميره حين يكتب.
س11: لكِ تجربة إذاعية في برنامج عن الأكلات الرمضانية في الدول العربية، كيف تقيمين هذه التجربة وما الذي أضافته لكِ على المستوى الإعلامي والصوتي؟
ج11: تجربة رائعة أفدتُ منها كثيرًا، وأنا منذ سنوات أقدّمها في مجموعتي الأدبية، وقد أحبّها الأصدقاء منذ أول مرة، فكرّرتها. وكان هذا العام من المفترض أن تُذاع عبر راديو (ڤيتا) التونسي، لكن حدثت تغييرات في الإذاعة عرقلت الأمر، فأذاعها راديو (الشباب) المصري السوري. وقد أسعدني تفاعل الأصدقاء الكبير معها، فمعظمهم شاركوا حلقاتهم في عدة مجموعات أدبية، وكتبوا عنها وعن قراءتي كلامًا أبهج روحي. لهم الشكر، ولك أيضًا، وكم أسعدتني استضافتك الغنية الراقية.
س12: كيف ترين علاقة الأدب بالعالم الرقمي اليوم، وما أبرز التحديات التي تواجه الكاتب العربي؟
ج12: علاقة متعددة الجوانب: الجمالية، والإنسانية، والقيمية، والروحية، والتعليمية؛ فكتاباتنا في هذا العالم الرقمي هي مشاعرنا، وأخلاقنا، ونبلنا، واحتجاجنا، وصدى أفكارنا، وهمس قلوبنا، وعويل قهرنا.
ولكن هذا لا يعني أنّ هذا العالم لم يخترقه القبح؛ فكل ما هو لا أخلاقي، لا إنساني، لا رحماني، لا مكان له في زوايا قلوبنا ورفوف اهتماماتنا.
أما التحديات، فهي أن تكون النسخة التي لا تتكرّر، والبصمة المختلفة، والجمال اللافت للروح، والصوت الألطف إلى مسامع القلوب.
س13: ما النص الأقرب إلى قلبكِ من أعمالكِ؟ وهل هناك عمل لم يعكسكِ كما أردتِ؟
ج13: أنا لستُ معجبةً بما أكتب، بل أعشق إبداعي، وأستمتع حين أقرأ لنفسي. وفي الحقيقة هناك نصوص كثيرة مفضّلة عندي، منها مثلًا:
حكمتي الصوفية:
“آمنتُ بك، فأمِنتُ”
ومنها ومضتي الشعرية:
“كلَّما رآني
سألني الخبّازُ
كيف أعجن خبز قصائدي
ففي حيّه
طابورٌ من الجياع إلى الحبّ”
ومنها قصائدي: (فتوى، مبلّلة بالاشتياق، حسرة، كساحرٍ يروّض عصافير قلبي، أشتهي فاكهة صوتك…)
ومنها قصتي القصيرة (رغيف بن سنبلة).
أما سؤالك عن العمل الذي لا يعكسني، فلا يوجد؛ لأنني أكتب بنبض قلبي الهامس أحيانًا، وصراخ روحي أحيانًا أخرى، ومن كتب بهذين القلمين الإنسانيين ستأتي كتاباته معانقة لمشاعر القرّاء، وحينها تنعكس أصداء قراءاتهم على مرايا روحه.
س14: ما الرسالة التي توجهينها لكل شابة عربية تحلم بأن تكون كاتبة؟
ج14:
أن تقرأ كثيرًا، وتتمتّع بثقافة عالية؛ فالتفكير الساذج والسطحية لا يصنعان كاتبًا، وأن تتروّى في النشر؛ فالنصوص الركيكة لا تترك أثرًا في وجدان القارئ، ولن تلامس مشاعره.
هكذا في مجلس الحكواتي، لا تنتهي الحكاية عند آخر سؤال، بل تبدأ من صدى الإجابة في ذاكرة القارئ…
فالأدب عند الأديبة ميّادة مهنّا سليمان ليس نصوصًا تُكتب فحسب، بل تجربة تُعاش، ورؤية تُضيء المعنى الإنساني للكلمة.
كل الشكر والتقدير للأديبة ميّادة مهنّا سليمان على هذا الحضور الثري، ولها من مجلس الحكواتي، فايل المطاعني، كل الامتنان على إتاحة هذا الفضاء للحوار والإبداع، ولها منّا تقدير يليق بمقامها الأدبي والإعلامي.
ويبقى القارئ شريك الحكاية… بين سؤالٍ لم يُجب بعد، وتأويلٍ لا ينتهي.
الشكر الجزيل لك على المقدمة الرائعة، والترحيب اللطيف، والأسئلة الغنية، والمبادرة النبيلة.
تحياتي لك ولبلدك الحبيب، أرجو لك دوام الألق.


