أيهما أهم.. سور الصين العظيم أم الحارس العامل عليه؟

نشرت :

راي اليوم …


صحيفة اليوم العمانية

في واحدة من أشهر الحكم الشعبية التي تتداول في الأوساط العربية، يُروى أن الصينيين القدماء حين أرادوا أن يحموا أنفسهم بنوا سور الصين العظيم، ذلك التحفة المعمارية الضخمة التي تمتد آلاف الكيلومترات. و اعتقدوا أن ارتفاعه وصلابته سيمنع أي غزو لكن التاريخ روى قصة مختلفة: العدو لم يحتج إلى تسلق السور، بل دفع رشوة للحارس، ففتح له الباب من الداخل. انشغلوا ببناء السور الحجري ونسوا بناء “الحارس” الإنساني: النزاهة، الولاء، الوعي، والانتماء الحقيقي.
السور مجرد أداة مادية، قد يكون مهيبًا ومكلفًا، لكنه عاجز تمامًا إذا انهار الحارس أخلاقيًا أو معنويًا و التاريخ يشهد أن أعتى الحصون سقطت لا بسبب ضعف جدرانها، بل بسبب ضعف من يحرسونها (الفساد، الخيانة، نقص الوعي، أو الاستسلام للإغراءات). أما السور القوي الذي يقف خلفه حارس مخلص وواعٍ، فيصبح شبه منيع، لأن الإنسان هو من يعطي السور روحه وفعاليته. هذا المثل ليس مجرد قصة تاريخية، بل درس استراتيجي عميق في الأمن القومي: الجبهة الداخلية هي الخط الدفاعي الأول والأخير والتحصينات المادية (الاقتصاد، العسكر، التقنية) ضرورية، لكنها غير كافية بدون بناء الإنسان.
في سياق سلطنة عمان اليوم، التي تواجه هجمات إعلامية وتشويهية مستمرة من جهات متعددة (كما ناقشنا سابقًا)، يصبح هذا المثل شديد الصلة: السور يمثل ويمثله السياسة الخارجية الحكيمة (الحياد الإيجابي)، رؤية عمان 2040، الاستقرار الاقتصادي، الموقع الاستراتيجي، والعلاقات الدولية المتوازنة. هذه “جدران” قوية بنتها الدولة على مدى عقود، وأثبتت فعاليتها في الحفاظ على استقلال القرار وتجنب التورط في حروب الآخرين.
الحارس و يمثله المواطن العماني نفسه وعيه، انضباطه، ولاؤه للوطن، تمسكه بقيم التسامح والحكمة العمانية، ورفضه للشائعات والاستقطاب الخارجي. الحارس هو الذي يرفض نشر المحتوى المضلل، يلتزم بالمصادر الرسمية، يدافع عن هويته الوطنية بهدوء وثبات، ولا يبيع “مفتاح الباب” مقابل إعجاب أو رشوة معنوية (مادية أو إلكترونية) فإذا انهار الحارس (أي إذا استسلم جزء من الشعب للحملات الإعلامية، أو انجر إلى الفتن الطائفية/السياسية، أو فقد الثقة في مؤسساته الوطنية)، فإن أقوى “سور” سياسي أو اقتصادي سيصبح عاجزًا و العدو اليوم لا يحتاج دبابات لاختراق عمان؛ يكفيه أن يزرع الشك والانقسام داخليًا عبر وسائل التواصل.
لهذا أولوية بناء الحارس في السلطنة تكمن في تعزيز الوعي الوطني والتعليم بالقيم العمانية (التسامح، الشورى، الحكمة) و مواجهة الشائعات بالانضباط الإعلامي والاعتماد على المصادر الرسمية و ترسيخ الوحدة الاجتماعية كدرع أول ضد أي هجوم خارجي وربط المواطن بمصلحة الوطن طويلة الأمد، حتى لا يغريه “الرشوة” الإعلامية أو السياسية اذن الحارس القوي يجعل السور رمزًا للقوة، حتى لو كان فيه بعض الثغرات.
عمان تاريخيًا نجحت لأنها بنت كلا السور والحارس معًا من خلال سياسة خارجية حكيمة مدعومة بشعب يتميز بالاعتدال والولاء. والتحدي الحالي هو الحفاظ على هذا التوازن في زمن الحروب الهجينة والذباب الإلكتروني وهنا كما وجهنا رسالة للحارس (المواطن) هنا نوجه رسالة لصانع القرار لا تكتفوا بتعزيز السور فقط بل استثمروا أكثر في الحارس فالوطن الحقيقي ليس الجغرافيا والمباني، بل الإنسان الذي يحميها بقلبه قبل سلاحه…

حفظ الله عمان شعب وارض وقائد من كل شر و الامة العربية والإسلامية والإنسانية كافة …

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img