مصدر الخبر: الوكالة العمانية
تواصل هيئةُ البحث العلمي والابتكار، ممثّلة في مركز عُمان للموارد الوراثية الحيوانيّة والنباتيّة "موارد"، جهودها العلميّة في جمع وحفظ ودراسة الكائنات الحيّة في سلطنة عُمان ضمن منظومة وطنيّة متقدّمة تهدف إلى صون التنوع الحيوي وتعزيز الابتكار والاستثمار المُستدام في الموارد البيولوجية.
وتسهم هذه الجهود في دعم قدرة سلطنة عُمان على مواجهة التحدّيات البيئية المتزايدة مثل تغيّر المناخ، والتلوث، والضغوط البشرية على الموارد الطبيعية، إضافة إلى تعزيز دور البحث العلمي في إيجاد حلول مبتكرة للاستفادة المستدامة من التنوع الحيوي.
ويمثل هذا العمل العلمي نواة لمشروع إنشاء بنك جيني وطني مستقبلي يهدف إلى حفظ الأصول الوراثية للكائنات الحية في سلطنة عُمان، بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة، وإتاحة استخدامها في مجالات البحث العلمي والتقنيات الحيوية، والصناعات القائمة على الموارد الطبيعية.
ووضّحت أصيلة بنت سليمان الناعبي، مختصّة في مجال الموارد الوراثية بمركز عُمان للموارد الوراثية الحيوانية والنباتية "موارد"، أنّ المركز يضم مجموعات علميّة واسعة ومتنوّعة من الكائنات الحية الحيوانية والبحرية والنباتية والميكروبية، حيث تمكن الباحثون من جمع وحفظ آلاف العينات البيولوجية من مختلف البيئات الطبيعية في سلطنة عُمان، الأمر الذي يعكس ثراء التنوع الحيوي في السلطنة وأهمية توثيقه علميًا.
وأشارت إلى أنّ المركز يضطلع بدور محوري في حفظ الموارد الوراثية الحيوانية، حيث تم حفظ نحو (1500) عينة من النطف المجمدة للخيول العربية الأصيلة، بما يتيح الاستفادة منها في الدراسات العلمية وبرامج التلقيح الاصطناعي لإنتاج سلالات متميزة. كما يحتفظ المركز بنحو (100) عينة من الحمض النووي لهذه الخيول، بالإضافة إلى حوالي (1000) عينة من النطف المجمدة للأبقار المحلية، وهو ما يسهم في صون التنوع الوراثي وتعزيز استدامة الثروة الحيوانية.
وأضافت أنه تم توثيق نحو (400) عيّنة تعود إلى (18) نوعًا من الحيوانات البرية، أبرزها المها العربي، والغزال العربي، والوعل النوبي، والوشق العربي، كما شمل العمل أيضًا حفظ عينات من الحشرات وديدان الأرض نظرًا لأهميتها البيئية والاقتصادية، إذ تؤدي دورًا رئيسًا في الحفاظ على التوازن البيئي وتحسين خصوبة التربة.
وفيما يتعلق بالكائنات البحرية، لفتت إلى احتفاظ المركز بعينات وراثية ونسيجية من (68) نوعًا من الأسماك، و(20) نوعًا من الرخويات البحرية، و(20) نوعًا من الأعشاب البحرية، إضافة إلى (133) عينة من الشعاب المرجانية، و(84) عينة من شوكيات الجلد، و(35) عينة من الإسفنج البحري، و(13) عينة من القشريات، الأمر الذي يعزز جهود التوثيق العلمي للتنوع البحري في سلطنة عُمان.
ووضّحت أنه في قطاع الأحياء الدقيقة، يضم المركز مجموعات علمية مهمة تشمل (760) عينة من الفطريات الدقيقة، و(224) عينة من البكتيريا، و(330) عينة من الفطريات الكبيرة، حيث أسهمت هذه الدراسات في تسجيل أنواع جديدة على مستوى العالم، إلى جانب اكتشاف أنواع رُصدت لأول مرة في سلطنة عُمان وشبه الجزيرة العربية.
وأما في القطاع النباتي فأشارت إلى نجاح المركز في حفظ أكثر من (350) مجموعة بذرية، منها (100) مجموعة من بذور المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير، إضافة إلى (250) مجموعة من بذور النباتات البرية، خصوصًا الأنواع الطبية والعطرية والنباتات المستوطنة والنادرة والمهددة بالانقراض.
وأكّدت على أنّ سلطنة عُمان تتميّز بتنوّع حيوي فريد على مستوى المنطقة، نتيجة لتنوّع بيئاتها الطبيعية التي تشمل الجبال والصحاري والسواحل والأودية، إلى جانب المناطق الموسمية في محافظة ظفار، وهو ما أسهم في احتضان العديد من الكائنات الحية والنباتات النادرة ذات الأهمية البيئية والاقتصادية.
وفي الجانب الحيواني، أفادت بأن سلطنة عُمان تؤوي عددًا من الكائنات النادرة والمهدّدة بالانقراض عالميًّا، مثل الطهر العربي الذي يعيش في جبال الحجر، والنمر العربي الذي يُعد من أندر السنوريات في العالم، والسلحفاة الخضراء التي تُعد سواحل عُمان من أهم مواقع تعشيشها عالميًا، مؤكّدةً أنّ حفظ العينات الوراثية لهذه الأنواع يسهم في دعم برامج الحماية والإكثار وإعادة التوطين.
وفي الجانب النباتي، أشارت إلى أنّ سلطنة عُمان تزخر بثروة نباتية مميزة بفضل تنوّع بيئاتها، حيث تنتشر النباتات الطبية والعطرية إلى جانب نباتات برية نادرة، ومن أبرزها شجرة اللبان العُماني (Boswellia sacra) ذات القيمة التاريخية والاقتصادية، وشجرة الشوع (Moringa peregrina) المعروفة بقيمتها الغذائية والطبية، إضافة إلى الدراسينا مسنّنة الحواف (Dracaena serrulata) التي تنمو في البيئات الجبلية الجافة وتُعد من النباتات النادرة في شبه الجزيرة العربية.
وأكّدت على أنّ حفظ البذور والمواد الوراثية لهذه النباتات يسهم في دعم الأبحاث العلمية، وتطوير الصناعات الدوائية والعطرية، وتعزيز استدامة الموارد الطبيعية في سلطنة عُمان، بما يضمن الحفاظ على هذا الإرث البيئي للأجيال القادمة.
وذكرت أن اعتماد المركز على مختبر بحثي متنقل مجهز بأحدث الأدوات والتقنيات العلمية أحد المشروعات الاستراتيجية للهيئة لدعم العمل البحثي الميداني وتعزيز كفاءة جمع الموارد الوراثية وتوثيقها.
ولفتت إلى أنّ المختبر يوفر منصة مخبرية متكاملة قابلة للحركة تمكّن الباحثين من جمع المواد البيولوجية وتقييم خصائصها وإجراء التجارب الأولية مباشرة في مواقع الدراسة، بما يسهم في تسريع عمليات التوثيق والمعالجة الأولية للعينات، وضمان الحفاظ على جودتها قبل نقلها إلى المختبرات المتخصّصة في المركز.
وأضافت أنّ المختبر البحثي المتنقل يعد الأول من نوعه في مجال الموارد الوراثية وعلوم الحياة في سلطنة عُمان، حيث يمثل مشروعًا وطنيًّا يهدف إلى إيصال الخدمات المخبرية المتخصصة إلى مختلف محافظات سلطنة عُمان، لا سيما المناطق التي تفتقر إلى بنى مخبرية متقدمة.
وبيّنت أنّ المختبر يدعم فرق البحث في الوصول إلى البيئات الطبيعية المتنوعة، بما في ذلك المناطق الجبلية والصحراوية والساحلية، ويتيح إجراء الفحوصات وتجهيز المواد البيولوجية ميدانيًّا، الأمر الذي يسهم في رفع كفاءة جمعها وحفظها بجودة عالية، إلى جانب دوره في نشر الوعي العلمي وتعزيز الثقافة العلمية لدى مختلف فئات المجتمع.
وفيما يتعلق بالمنصّة الرقميّة للموارد الوراثية، وضّح الدكتور محمد بن ناصر اليحيائي المكلف بتسيير أعمال مركز عُمان للموارد الوراثية الحيوانية والنباتية "موارد": إلى قيام مركز "موارد" بتطوير منصة رقمية تهدف إلى توثيق وإدارة البيانات العلمية المرتبطة بالمجموعات البيولوجية المحفوظة في المركز، بما يشمل المعلومات الوراثية والتصنيفية وبيانات مواقع الجمع والخصائص البيئية للكائنات المختلفة.
وأكّد على أنّ هذه المنصة تسهم في تسهيل وصول الباحثين والجهات العلمية إلى المعلومات الموثقة، وتعزيز تبادل البيانات والمعرفة في مجالات التنوع الحيوي والموارد الوراثية.
وبيّن أنه في إطار خطط التطوير المستقبلية، يسعى المركز إلى توسيع نطاق المنصة لتصبح قاعدة بيانات وطنية متقدمة للموارد الوراثية في سلطنة عُمان من خلال ربطها بالمؤسسات البحثية والجامعات والجهات المعنية داخل سلطنة عُمان وخارجها، إضافة إلى دمج تقنيات التحليل الحيوي وقواعد البيانات الجينية الحديثة، بما يدعم البحث العلمي ويعزز الاستفادة المستدامة من التنوع الحيوي العُماني.
وأكّد على أنّ حفظ الموارد الوراثية يمثل قاعدة علمية مهمة لتطوير الاقتصاد الحيوي في سلطنة عُمان، حيث تفتح هذه المجموعات آفاقًا واسعة للاستثمار في الصناعات الدوائية والغذائية والتقنيات الحيوية، إلى جانب دعم الابتكار في مجالات الزراعة المستدامة وحماية البيئة.
وأضاف أنّ هذا العمل يسهم في تعزيز الأمن الحيوي والغذائي من خلال حفظ الأصول الوراثية للكائنات الحية التي قد تتعرض للتهديد نتيجة التغيرات المناخية أو التلوث أو الضغوط البشرية أو الأزمات العالمية.
ووضّح أنّ هذه الجهود تُنفذ عبر شبكة واسعة من الشراكات العلمية والمؤسسية، حيث يتعاون مركز "موارد" مع عدد من الجهات الحكومية والأكاديمية في سلطنة عُمان، من بينها هيئة البيئة، وجامعة السُّلطان قابوس، وجامعة نزوى، وجامعة ظفار، وجامعة الشرقية، وشؤون البلاط السُّلطاني، ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، وعدد من مؤسسات القطاع الخاص.
وأضاف أنّ المركز يعزّز كذلك التعاون الدولي مع باحثين ومؤسسات علمية عالمية مرموقة في هولندا وسريلانكا وفنلندا، بما يُسهم في تبادل الخبرات وتطوير الدّراسات المتخصّصة في مجالات حفظ الموارد الوراثية والتنوع الحيوي، ويعزز حضور سلطنة عُمان في الشبكات العلمية العالمية المعنية بصون الموارد الطبيعية.
وأكّد الدكتور محمد اليحيائي في خِتام حديثه على أنّ هذه الجهود تمثل خطوة استراتيجيّة نحو إنشاء بنك جيني وطني متكامل في سلطنة عُمان، ليكون مرجعًا علميًّا لحفظ وتوثيق الموارد الوراثية الوطنية، ويسهم في تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للبحث العلمي والابتكار في مجال التنوع الحيوي وصون الموارد الطبيعية، بما يتماشى مع توجهات سلطنة عُمان نحو تعزيز دور البحث العلمي في دعم التنمية المستدامة وتحويل التنوع الحيوي إلى مصدر للمعرفة والابتكار وفرص الاستثمار المستقبلية.


