راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
في زمن التواصل الاجتماعي والانفتاح الاقتصادي والثقافي السريع، يتجدد التحذير القديم: “انتبهوا من المستشرقين الجدد”. لم يعد الاستشراق مقتصراً على مفكرين غربيين يدرسون الشرق من بعيد، بل تحول إلى ظاهرة داخلية. بعضهم أبناء الخليج نفسهم، يرتدون ثياب العصرنة والتنوير، ويروجون لأفكار تُقدم على أنها “تقدم” و”حرية”، لكنها في جوهرها تُشبه الاستشراق التقليدي في تشويه الهوية الثقافية والدينية.
ما هو “الاستشراق الجديد” في سياق الخليج؟
الاستشراق الكلاسيكي (كما وصفه إدوارد سعيد) كان أداة استعمارية لتصوير الشرق كـ”متخلف” يحتاج إلى “حضارة” غربية. أما الجديد فهو أكثر دهاءً يأتي عبر مراكز بحثية، إعلام اجتماعي، وخطاب “إصلاحي” محلي و يستهدف التراث الديني والاجتماعي و التشكيك في النصوص والتقاليد تحت شعار “النقد العلمي” أو “العلمانية”. واليوم تعيش الهوية الخليجية تشويه مقيت و ترويج نموذج غربي مطلق في المرأة، الأسرة، والقيم، مع تجاهل الخصوصية الثقافية. كما ان الانفتاح الاقتصادي أحياناً يُستغل لدفع تغييرات سريعة تُضعف التماسك الاجتماعي مقابل “الرؤى التنموية”. بعض هؤلاء “المستشرقين الجدد” من أبناء المنطقة مثقفون، إعلاميون، أو ناشطون يتلقون دعماً أو إلهاماً خارجياً، فيروجون لأفكار تُفرغ المجتمع من محتواه الحضاري و يفعلون ذلك بلغة ناعمة “حقوق الإنسان”، “التنوير”، “كسر المحظورات” و للأسف، يجدون جمهوراً بين الشباب المتأثر بالمنصات العالمية. والخليج يعيش تحولاً تاريخياً رؤى تنموية طموحة (2030، 2040، إلخ)، انفتاح سياحي واقتصادي، وتغيرات اجتماعية سريعة هذا الانفتاح إيجابي في الاقتصاد والتعليم، لكنه يفتح الباب أمام غزو فكري خفي يجب ان نتنبه له فالمستشرقون الجدد (محليون أو مدعومون) يستغلون هذا لتصوير التراث كـ”عائق تقدم”و دعم تغييرات جذرية دون مراعاة الاستقرار الاجتماعي.
التاريخ يعلّمنا أن الأمم التي فقدت هويتها سهل عليها الاختراق و التوازن مطلوب نعم للحداثة المتوافقة مع قيمنا، لا للحداثة التي تنسخ الغرب حرفياً وتُهمل خصوصيتنا. الانتباه لا يعني رفض كل نقد أو إصلاح فالمجتمعات الحية تنتقد ذاتها وتتطور لكن الفرق بين الإصلاح الأصيل الذي ينبع من داخل الثقافة وبين التغريب المقنّع كبير. كما ان الدولة والمؤسسات الدينية والتعليمية مطالبة بتعزيز الهوية الوطنية والإسلامية في المناهج والإعلام. كما ان المثقفون الحقيقيون مدعوون لمواجهة الخطاب الاستشراقي بالحجة والإنتاج الثقافي القوي. والشباب يحتاج وعياً لا تأخذوا كل ما يلمع “تقدماً” دون فحص جذوره ونتائجه. يا قوم، الانفتاح نعمة إذا حُسن استخدامه أما الاستسلام لـ”المستشرقين الجدد” سواء كانوا غربيين أو من أبناء جلدتنا فهو خطر يُهدد تماسكنا و الحفاظ على الهوية ليس رجعية، بل هو أساس القوة في عالم متغير.
السؤال هنا : هل نستطيع الجمع بين التقدم والأصالة، أم سنترك “المستشرقين الجدد” يرسمون مستقبلنا؟
حفظ الله عمان شعباً وأرضاً وسلطاناً، والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة من كل سوء.


