سالم بن أحمد بن محاد العمري
قبل أن أبدأ، أحب أن أقول: الأحداث هنا ممزوجة بين الخيال والحقيقة، وأسماء المواقع المذكورة واقعة على ضفاف بحر العرب.
سالم شاب مولع بالحياة. إذا ضاق به الأمر لجأ إلى ربه، ثم ذهب إلى ساحل بحر العرب يدعو ربه ويجوب في خيال الحياة.
في إحدى المرات، ذهب وجلس على “السفح”، وهو جبل يطل على المحيط الهندي. سطحه مستوٍ وتضربه أمواج المحيط وهو صامد لا يتحرك.
وبينما هو جالس، شاهد سلحفاة تسبح مع دلفين (الدلفين يسمى بالمحاية “الغبار”.
جلس يستمع لحديثهما، ومن ضمن ما استمع إليه قول السلحفاة: “أليس الشخص الجالس على الكرسي هو سالم الذي ركب على ظهري قبل أكثر من 45 عاماً في ريسوت عند خيصة بن عربية واخذته في جولة سريعة؟ يا ليته يأتي إلينا ويشاركنا الحديث”. فرد الدلفين: “يا ريت”.
قفز سالم من على الجبل إلى البحر وسبح باتجاه السلحفاة والدلفين.
أخذوا يسبحون، سالم في الوسط ومن حوله السلحفاة والدلفين يتجاذبون أطراف الحديث، حتى وصلوا شاطئ بحر العرب.
فقال سالم: “سأستريح قليلاً على الشاطئ وأجمع بعض البازميمر”. والبازميمر صدفة بحرية أسطوانية بداخلها لحمة، تُغلى في الماء فتبرز اللحمة للخارج. تُؤخذ اللحمة فتُؤكل مباشرة أو تُقلى أو يعمل منها مرق.
جمع كمية كبيرة وحفر حفرة، ثم تمدد بها وغطى نفسه بالتراب، ووضع الكيس بالجانب الأيمن.
خرج أحد البازميمرات وجلّس على كف يده اليمنى، فجلس يحدثه بعدما شعر بالأمان.
استمر الحوار لأكثر من ساعتين.
قال البازميمر: “اذكر لي بعض ذكرياتك هنا”.
قال سالم:
القصة الأولى: عندما كنت صغيراً، كانت النساء تتسابق لتحظى بمكان على صخرة على الشاطئ تلتصق بها الأصداف، وداخلها لحمة التي نعرفها بالزوكة. البعض يأكلها بدون طبخ، وسميت الصخرة بـ “صخرة النسوين” نسبة للنساء.
القصة الثانية: كنت أنا وأمي رحمها الله، يأخذ كل واحد منا كيساً ونذهب للحجارة الداخلية التي تقع وسط مياه البحر المحاذية للجبل، كما يسميها أهل المنطقة.
كان من الصعب الوصول إليها إلا إذا كان البحر في حالة جزر.
فذهبنا حتى وصلنا إليها وأخذت كمية كبيرة من الأصداف ذات اللحمة الكبيرة. وسمعت والدتي تقول: “خلا البحر غلق”، أي بدأت الأمواج تقترب. فخرجنا مسرعين وتفاجأ الجميع بالكمية الكبيرة التي معنا من الأصداف. قالوا: “من أين أتيتم بها؟” فقلنا: “من الحجارة الداخلية”. فقالوا: “أنتم مجانين، إنه مكان خطر جداً”. فقلنا لهم: “من لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر”.
القصة الثالثة: كنا نوقف السيارة على أطراف السفح الجنوبي وننزل ومعنا العجلة الدائرية من المعدن، ومعها الشبكة الملفوفة حول العجلة. وعندما نصل للحجارة الداخلية، نربط العجلة بالخيط ثم ننزلها في الماء. وفي النهاية نخرج بكمية كبيرة من الشارخة، ونعود ونتسلق الجبل. والمكان يسمى “الشق”.
في الأخير، قال له البازميمر: “ماذا ستفعل بنا؟”
فقال لها سالم: “سأعيدكم إلى بحر العرب، بشرط أن تأتوني بتوابل الهند”.
فاتفقوا على ذلك، فعاد كل منهم إلى دياره سالمين.
بعد شهور…
في ليلة كان فيها البحر هادئاً والقمر بدراً، عاد سالم إلى جبل السفح. سمع صوتاً من عند الصخور: “سالم… سالم…”
كان الدلفين يطل برأسه من الموج، وعلى ظهره محارة كبيرة تلمع. قال: “جبنا لك الأمانة”.
سبح سالم نحوه. انفتحت المحارة، وخرج منها البازميمر نفسه، ومعه كيس منسوج من أعشاب البحر.
قال البازميمر: “يا سالم، أنت وفيت بوعدك. وحنا ما ننسى المعروف. صدفة مثلي ما تقدر توصل الهند، لكن البحر يوصل كل شيء. هذي توابل الهند: هيل، وقرنفل، وفلفل أسود، ودارسين. اخذناها بعد ما استئذنا اصحاب المراكب مع التيار.
أخذ سالم الكيس. غطس الثلاثة: السلحفاة، والدلفين، والبازميمر، واختفوا في سواد بحر العرب. ولم يبقَ غير رائحة الهيل في يده، وصوت الموج يضرب جبل السفح.
ومن يومها، كلما أكل سالم بازميمر بالبهار الهندي، أحس كأنه جالس في تلك الحفرة مرة ثانية، والبازميمر على كف يده اليمنى يحكي له عن “صخرة النسوين” و”الحجارة الداخلية” و”الشق”.
البازميمر: هو كائن رخوي ينتشر على الشواطئ الرملية لبحر العرب.


