ثمنة الجندل
عادةً ما يسكن القلبُ المكان، لكن مع الحصن اختلف الأمر؛ فهو الذي يسكن قلوب أهله، ويجعلها تخفق كلما ذُكر اسمه، وتغمرها السعادة كلما مرّت ذكراه. إنها حكاية عشقٍ أبدي بين مكانٍ وأبنائه.
وأنا أتابع تجمع “أبناء الحصن” على الشاشة، عاد بي الزمن عشرات السنين إلى الوراء، إلى ذكرياتٍ راسخة في الوجدان، لا تحتاج إلا إلى لمحة أو اسم أو صورة حتى تستيقظ بكل تفاصيلها.
ما الذي يشدني إلى هذا المكان، وأنا قد غادرته منذ ستة وأربعين عامًا؟
كلما تقدّمت بنا السنون، ازداد الحصن جمالًا في ذاكرتنا، واتضحت ملامحه أكثر، كأن الزمن لا يسرق منه شيئًا، بل يضيف إليه مزيدًا من السحر والبهاء.
لقد لفت انتباهي ذلك الحضور الكبير في لقاء “أبناء الحصن” والأجمل منه حضور الشباب وصغار السن الذين لم يعيشوا فيه، ولم يركضوا في أزقته، ولم يتربوا بين حاراته، ومع ذلك يحملونه في قلوبهم حبًا عجيبًا، ويحافظون على عاداته وتقاليده، وكأن للحصن جيناتٍ خاصة تنتقل عبر الأجيال.
كانت منطقة الحصن، بحاراتها وسككها؛ الفوقية والوسطية والتحتية، وحارة البترول، وحارة السجن، وحارة اليافع أو “النبات”، عالمًا صغيرًا نابضًا بالحياة.
وكانت هذه الحارات تضرب مثالًا في النظافة والنظام؛ فما إن يخرج البقر صباحًا إلى المراعي حتى يُسمع صوت كبير الحارة: “بعد خروج البقر… نظافة!” فتخرج النساء لتنظيف الأزقة حتى تلمع.
لم تكن البيوت كبيرة، لكنها كانت واسعة بأهلها؛ متلاصقة الجدران، متقاربة القلوب. يعرف الجار أحوال جاره، والقريب ظروف قريبه. وكانت العبارات البسيطة مثل: “أمي بغت جوالة بصل”، أو “بغت معلقة سمن وبعدين بتردها”، كافية لتتحرك الأيادي بالمساعدة قبل أن يكتمل الطلب.
في منطقة الحصن، لم يكن الأطفال أبناء أسرهم فقط، بل أبناء الحارة كلها. وكان الرجل الكبير يشعر بمسؤولية تربيتهم وتقويمهم، ويؤمن الآباء أن ما يفعله ما هو إلا حرصاً ومحبةً
قبل أن يكون تأديبًا.
وكان الأطفال ينتقلون بين البيوت كما تنتقل الفراشات بين الأزهار؛ يأكلون هنا، ويلعبون هناك، ويجدون في كل بيت أمًا أخرى وقلبًا آخر يحتضنهم.
ومنذ وقت مبكر، أدرك أهل الحصن أهمية العمل والإنتاج، فكان لكل بيت تقريبًا مشروعه الصغير أو حرفته الخاصة؛ هذا يبيع السمن البلدي، وذاك يصنع الحلوى، وآخر يشتهر بالبخور أو الخياطة أو الأطعمة الشعبية. وكانت هذه المشاريع البسيطة تصنع اقتصادًا صغيرًا يعزز الاعتماد على النفس ويقوّي روابط المجتمع.
أما مطبخ المرأة في الحصن فكان عالمًا من الروائح الزكية؛ بهارات عطرية دافئة، وأطباق شهية تفوح رائحتها الشهية.
وللقهوة فى منطقة الحصن، طعم غير ومميز ؛ تُحمّص حبات القهوة السمراء، وتُدق في المنحاز، وتُعطّر بالهيل والزنجبيل وماء الورد، ثم تُقدَّم في مجالس الضحى كعنوانٍ للكرم والألفة.
وقد أنجبت منطقة الحصن، شخصيات بارزة في التعليم والأدب والعسكرية والفن؛ منهم الأستاذان كاتم بن فرحان تيسير وحسين بن صالح اليافعي، والشاعر الشيخ عوض جبران، والفنان والشاعر جمعان ديوان. كما برزت نساء رائدات، منهن الأستاذة فاطمة بنت عبد الرب اليافعي، إحدى أوائل المعلمات في الحصن، إلى جانب نساء أسهمن في التعليم والأدب وخدمة المجتمع .
وكان للشباب ملتقاهم الخاص في “البطحة”، ذلك الميدان الرملي عند مدخل الحارات، حيث تُروى الحكايات، وتُتبادل الأخبار، وتمارس الألعاب الشعبية، وتُقام حلقات الذكر والشعر والسمر.
أما بساتين النارجيل التي تحيط بالحارات، فكانت متنفس للجميع؛ يستظل تحتها الرجال، وتتسامر النساء، وتلهو الفتيات، وتُصنع من ثمارها أطباق شعبية ما زالت حاضرة في الذاكرة والنكهة.
في منطقة الحصن كان الفرح فرح الجميع، والحزن حزن الجميع؛ الأعراس تجمع الناس، والمصائب تجمع القلوب، فلا يواجه أحد فرحه أو حزنه لوحده.
ثم تغيّرت الظروف، وخرج السكان إلى أحياء جديدة بعد حصولهم على أراضٍ فى اماكن مختلفة من ولاية صلالة. أنجبوا أبناءً وأحفادًا.
خرجوا من الحصن، لكن الحصن لم يخرج منهم.
ولهذا ظل اسمه حاضرًا في تجمعاتهم ومشاريعهم. ومع كل عيد أو مناسبة، يعودون لمد جسور المحبة بين الأجيال، وإحياء التراث والثقافة الشعبية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.
فالحنين إلى الحصن ليس حنينًا إلى الطين والحجارة، بل إلى زمنٍ كانت فيه القلوب أقرب، والأبواب أكثر انفتاحًا، والناس أكثر حضورًا في حياة بعضهم البعض.
لقد غادروا الحصن، لكن الحصن ما زال راسخًا في وجدانهم، يستدعونه كلما اجتمعوا، وكلما مر طيف ذكرى جميلة.
خرجوا من الحصن… لكن الحصن لم يخرج منهم.


