د. رفيعه الحجري
29 يونيو 2026
في إحدى الجلسات الودية، دار حديث عابر مع إحدى الصديقات، وكانت تحمل في عينيها شيئًا من الالم والضيق وقالت بمراره: “لا يتذكروني إلا عندما يحتاج إليّ.” كانت ترى أن تواصل الناس معها في أوقات الشدة دليل على أنهم لا يعرفونها إلا لمصالحهم.
تأملت كلماتها قليلًا، ثم قلت لها: لعل الأمر يُنظر إليه من زاوية أخرى أكثر إشراقًا.
إن الإنسان لا يطرق كل الأبواب عندما تضيق به الدنيا، بل يبحث عن الباب الذي يثق أنه سيفتح له، وعن الشخص الذي يعلم أنه لن يرده خائبًا، وأنه سيجد عنده كلمة طيبة، أو نصيحة صادقة، أو يدًا تمتد لتخفف عنه ما أثقل كاهله.
فحين يتذكرك الناس وقت حاجتهم، فليس هذا دائمًا دليل استغلال، بل قد يكون أعظم دليل على مكانتك في قلوبهم. لقد رأوك أهلًا للعطاء، ووثقوا بأنك لن تخذلهم، وأنك ستكون ملاذًا آمنًا عندما تضيق بهم السبل. ليس كل إنسان يستطيع أن يكون موضع ثقة للآخرين، فالثقة تُبنى عبر سنوات من حسن الخلق، وصدق المواقف، وكرم النفس. ولذلك فإن اختيار الناس لك في أوقات الشدة ليس أمرًا عابرًا، بل شهادة صامتة بأنك شخص يعتمد عليه.
صحيح أن من الجميل أن يتذكرك الناس في أفراحهم قبل أتراحهم، وفي مناسباتهم قبل حاجاتهم، لكن عندما يقصدونك في أصعب لحظاتهم، فإنهم في الحقيقة يمنحونك مكانة قد لا يمنحونها لغيرك. فهم يرون فيك الأمل بعد الله، ويرون في حضورك سكينة، وفي مساعدتك مخرجًا لما هم فيه. لذلك، لا تجعل أول ما يتبادر إلى ذهنك هو الشكوى أو الشعور بأنك مجرد وسيلة لقضاء الحاجات، بل انظر إلى الأمر بعين الامتنان؛ فقد اختارك الله لتكون سببًا في تفريج كربة، أو مسح دمعة، أو إدخال الطمأنينة إلى قلب إنسان.
ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من يحيطون به في أوقات الرخاء، وإنما بعدد من يقصدونه عندما تضيق عليهم الحياة، لأن الشدائد تكشف مواطن الثقة، ولا يلجأ الإنسان في أزماته إلا لمن يوقن بأنه لن يخذله. فلنجعل من تذكّر الناس لنا وقت الحاجة مصدر فخر لا مصدر ضيق، ولنشكر الله أن جعل لنا أثرًا في حياة الآخرين، وأن هيأ لنا أن نكون مفاتيح للخير، وملاذًا لمن أثقلتهم الهموم، فليس أعظم من أن تكون شخصًا إذا ضاقت الدنيا بإنسان، اتسعت له أبواب الأمل حين تذكرك.


