تقوم السياسة الخارجية العُمانية، منذ عقود، على نهجٍ قائم على التوازن، وعدم الانخراط في سياسة المحاور، وهو ما أكسب السلطنة احترامًا إقليميًا ودوليًا، ورسّخ صورتها بوصفها دولة تؤمن بالحوار، وتُغلّب الحلول السياسية على الصراعات.
غير أن المتابع للشأن الإعلامي المحلي يلحظ أن بعض الصحف والكتّاب يتبنون، في كثير من القضايا الإقليمية، الرواية الإيرانية بصورة تكاد تكون مطلقة، ويقدمونها بوصفها الرواية الأجدر بالترويج والدفاع، في مقابل تهميش الآراء الأخرى أو مهاجمتها، حتى عندما تكون معتدلة أو تستند إلى وقائع وتحليلات موضوعية.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل يعكس هذا الخطاب الإعلامي الموقف الرسمي للدولة، أم أنه يعبر عن اجتهادات خاصة لا تمت بصلة إلى النهج الذي تقوم عليه السياسة الخارجية العُمانية؟
إن طرح هذا التساؤل لا ينطلق من التشكيك في السياسة الرسمية، بل من الحرص عليها. فحين يطالع المتابع العربي أو الدولي خطابًا إعلاميًا يبدو منحازًا بصورة متكررة إلى طرف إقليمي بعينه، فمن الطبيعي أن يربط بين هذا الخطاب وبين الموقف الرسمي للدولة، حتى وإن كانت الدبلوماسية العُمانية تؤكد باستمرار أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر.
فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو أحد أهم أدوات تشكيل صورة الدولة في الخارج. ولذلك فإن غياب التوازن والانفتاح على مختلف الآراء لا يؤثر في مصداقية المؤسسات الإعلامية فحسب، بل قد ينعكس أيضًا على الصورة الذهنية التي بناها النهج الدبلوماسي العُماني عبر سنوات طويلة.
ولا يعني ذلك مطالبة الإعلام بالتخلي عن آرائه أو مواقفه، وإنما المطالبة بأن يظل منبرًا للتعددية، وأن يفسح المجال للرأي والرأي الآخر، وألا يتحول إلى منصة تتبنى سردية طرف إقليمي واحد، لأن قوة الإعلام تُقاس بقدرته على عرض الوقائع بموضوعية، لا بمدى اقترابه من هذا الطرف أو ذاك.
إن الحفاظ على الصورة المتوازنة التي عُرفت بها عُمان مسؤولية مشتركة، لا تقع على عاتق الدبلوماسية وحدها، بل يشاركها فيها الإعلام أيضًا. فكلما كان الخطاب الإعلامي أكثر استقلالًا وتوازنًا، كان أكثر قدرة على عكس المكانة التي بنتها السلطنة لنفسها، وترسيخ الثقة في أن حيادها السياسي ليس مجرد شعار، بل نهج راسخ ينبغي أن ينعكس في مختلف مؤسساتها، وفي مقدمتها مؤسساتها الإعلامية.
علي العايل


