زيارة السلطان هيثم إلى دول القارة الأفريقية … آفاق اقتصادية جديدة واستثمار في التاريخ والمستقبل

نشرت :

راي اليوم


صحيفة اليوم العمانية

منذ ايام قام حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم بزيارتي دولة إلى جمهورية بوتسوانا (16-17 سبتمبر) ثم جمهورية أنجولا (17-18 سبتمبر)، في خطوة تعكس توجه سلطنة عُمان الاستراتيجي نحو تعزيز حضورها الاقتصادي في القارة الأفريقية. جاءت الزيارتان ضمن سلسلة أوسع شملت زيارة سابقة إلى الجزائر في مايو 2025، وتأتي في إطار رؤية عُمان 2040 التي تركز على التنويع الاقتصادي وتوسيع الشراكات الدولية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط. 

تفاصيل الزيارات والنتائج المباشرة


غادر جلالة السلطان صلالة متوجهاً إلى غابرون في بوتسوانا، عقد جلالتُه مباحثات مع الرئيس دوما جيديون بوكو، أسفرت عن توقيع 9 وثائق ومذكرات تفاهم شملت التعاون العام، والمشاورات السياسية، والإعفاء المتبادل من التأشيرات لحملة الجوازات الدبلوماسية والخاصة، والخدمات الجوية، وترويج الاستثمار. تركزت المجالات على الطاقة المتجددة (مشاريع تصل إلى 3000 ميغاواط، منها مشروع ماون للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميغاواط الذي دخل مرحلة التنفيذ)، والتعدين واستكشاف المعادن (بما في ذلك الذهب والألماس)، والأمن الغذائي، والزراعة، واللوجستيات.
ثم انتقل جلالتُه إلى لواندا في أنجولا، حيث التقى الرئيس جواو مانويل لورينسو. أسفرت الزيارة عن توقيع عشر وثائق قانونية وثلاث مذكرات تفاهم بين شركات حكومية، بقيمة إجمالية تتجاوز 1.5 مليار دولار أمريكي. شملت المجالات النفط والطاقة، والثروات المعدنية (بما في ذلك استثمارات في مناجم الألماس مثل كاتوكا ولويلي)، والتمويل (بعد تأسيس البنك الأفريقي العُماني في لواندا في أبريل 2026)، والسياحة، والزراعة، والثروة السمكية، والنقل والخدمات اللوجستية، والإسكان. اتفق الجانبان على عقد الجولة المقبلة من المشاورات السياسية والدورة الأولى للجنة المشتركة في مسقط.
سبق ذلك زيارة الجزائر في مايو 2025، التي ركزت على فتح أسواق شمال أفريقيا في الطاقة المتجددة والاستثمارات في المناطق الاقتصادية العُمانية مثل الدقم، وتعزيز التبادل التجاري.
ماذا بعدها؟ مسار التنفيذ والمتابعة
الزيارات ليست نهاية المطاف، بل بداية مرحلة تنفيذية. أكد المسؤولون بالسلطنة بمن فيهم وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار أنور بن هلال الجابري، أن المذكرات تمثل إطاراً عملياً لتحويل الفرص إلى مشروعات ملموسة يقودها القطاع الخاص. ستتولى الجهات المختصة متابعة التنفيذ عبر اللجان المشتركة، وتشجيع زيارات رجال الأعمال، وتحديد المشروعات القابلة للتنفيذ في الصناعة والزراعة واللوجستيات والطاقة والمعادن. في بوتسوانا، بدأت مشاريع الطاقة المتجددة بالفعل، بينما في أنجولا يُتوقع تعزيز دور البنك الأفريقي العُماني في تسهيل التمويل والتجارة. كما تشمل الخطط ربط موانئ عُمان (الدقم وصحار وصلالة) بممرات مثل ممر لوبيتو الأطلسي في أنجولا.


التأثير على الاقتصاد العُماني


تندرج هذه الزيارات ضمن استراتيجية عُمان لتوسيع الأسواق والاستثمارات في أفريقيا الغنية بالموارد، بما يدعم أهداف التنويع الاقتصادي. في بوتسوانا، تفتح اتفاقيات التعدين والطاقة المتجددة آفاقاً لاستثمارات عُمانية طويلة الأمد واستقطاب خبرات وتقنيات. في أنجولا، رغم أن حجم التبادل التجاري كان متواضعاً (حوالي 972.9 ألف ريال عُماني في النصف الأول من 2025، معظمها صادرات عُمانية)، فإن الصفقات الجديدة والاستثمارات في المناجم والتمويل واللوجستيات يمكن أن تضاعف التبادل وتوفر منافذ جديدة للمنتجات العُمانية (مثل الآلات والألبان والكابلات والبتروكيماويات). يساهم ذلك في جذب استثمارات أجنبية إلى عُمان، وتعزيز دور القطاع الخاص، ودعم الأمن الغذائي من خلال التعاون الزراعي، وتقوية مكانة الموانئ العُمانية كبوابات لوجستية تربط أفريقيا بأسواق آسيا والخليج. بشكل أوسع، يدعم هذا التوجه خفض الاعتماد على النفط، تماشياً مع الإنجازات المالية السابقة مثل خفض الدين العام وتحسين التصنيف الائتماني.

ان موقع عُمان التاريخي ودورها
تستعيد عُمان اليوم موقعها الجغرافي من خلال هذه الزيارات إرثها التاريخي كجسر تجاري وبحري بين آسيا وأفريقيا، حيث كانت الموانئ العُمانية historically نقاط اتصال مع شرق أفريقيا والساحل الأطلسي. في عهد السلطان هيثم، يتحول هذا الإرث إلى دبلوماسية اقتصادية نشطة، تعزز صورة عُمان كشريك موثوق ومحايد، قادر على بناء علاقات متوازنة مع دول الجنوب. يعزز ذلك موقع عُمان كبوابة استثمارية ولوجستية، ويرسخ دورها في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي من خلال الحوار والتعاون الاقتصادي، بعيداً عن التوترات.

ما المأمول للمواطن العُماني؟


يتطلع المواطن العُماني إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية: فرص عمل جديدة في القطاعات الناشئة (التعدين، الطاقة المتجددة، اللوجستيات، الزراعة)، وزيادة الصادرات التي تدعم الاقتصاد الوطني وتوفر فرصاً للشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين الأمن الغذائي من خلال التعاون الزراعي، وتعزيز السياحة والتبادل الثقافي. كما يُتوقع أن تساهم الاستثمارات في رفع مستوى الخدمات والبنية الأساسية، وخلق بيئة اقتصادية أكثر تنوعاً واستدامة للأجيال القادمة. كما أن النجاح يعتمد على مشاركة القطاع الخاص وترجمة الاتفاقيات إلى مشروعات حقيقية تعود بالنفع على الجميع .
في الختام، تمثل هذه الجولة الأفريقية نقلة نوعية في السياسة الخارجية الاقتصادية العُمانية، تربط بين التاريخ والمستقبل، وتفتح أبواباً واسعة للتنمية المشتركة. النتائج الحقيقية ستظهر في السنوات المقبلة من خلال المتابعة الدقيقة والتنفيذ الفعال.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل مكروه …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img