عيسى بن سالم بن علي البلوشي
كان هناك، في زمنٍ ليس بعيداً، مملكة عظيمة قامت على الملح . لم يكن الملح فيها مجرد مادة بيضاء تحفظ الطعام وتمنحه مذاقه، بل كان ثروةً وهيبةً ونفوذاً. من يملك مناجم الملح يملك القوة، ومن يسيطر على طرق التجارة يملك القرار. اعتاد أهل المملكة أن ينظروا إلى مخازنهم الممتلئة بفخر، وأن يقولوا: لدينا ما يكفينا لسنوات طويلة. لكن الزمن تغيّر.
في يومٍ ما، جاء رجل غريب إلى بوابة المملكة، ولم يحمل معه جيشاً ولا سيفاً ولا قافلة من الذهب. حمل جهازاً صغيراً، وقال للحراس: لم تعد القوة في ما تملكونه من الملح، بل في ما تعرفونه، وما تستطيعون أن تتعلموه، وما يمكنكم أن تصنعوه غداً.
ضحك الحراس. قال أحدهم: وكيف يمكن لجهاز صغير أن ينافس مملكة؟ ابتسم الغريب ولم يجب.
بعد سنوات قليلة، لم تعد الممالك تتنافس على الملح وحده. أصبحت تتنافس على البيانات، والخوارزميات، والرقائق، والروبوتات، والعلوم، والفضاء، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قوة اقتصادية وحضارية.
وهنا تبدأ قصتنا الحقيقية. نحن، في العالم العربي، نعيش عند هذه البوابة.
لدينا الثروة، والموقع الجغرافي، والطاقة، والأسواق، والمدن الحديثة، والشباب، والاستثمارات الضخمة. وبعض دولنا بدأت بالفعل في بناء مراكز للذكاء الاصطناعي، وإطلاق الأقمار الصناعية، والاستثمار في التكنولوجيا والفضاء، وإنشاء المدن الذكية والاقتصادات الرقمية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: كم نملك؟ بل: ماذا نستطيع أن نصنع؟
فالذكاء الاصطناعي لم يعد قصة من قصص الخيال العلمي. إنه يتحول بسرعة إلى بنية أساسية للاقتصاد والتعليم والصناعة والصحة والدفاع والإدارة. والخطر الحقيقي ليس أن تأتي الآلات لتحل محل الإنسان، بل أن تصبح المجتمعات التي لا تتعلم استخدام هذه الآلات مجرد مستهلكة لما ينتجه الآخرون.
وقد يأتي يوم نستخدم فيه ذكاءً اصطناعياً لا نفهم كيف بُني، ونشتري روبوتات لا نعرف كيف نصنعها، ونستخدم منصات رقمية لا نملك بنيتها، ونرسل أبناءنا إلى مدارس وجامعات تدرّسهم مهارات صُممت لعالم انتهى بالفعل. لكن الذكاء الاصطناعي ليس سوى وجه واحد من التحول الكبير الذي يقف أمامنا. فنحن لا نعيش ثورة تكنولوجية واحدة، بل نعيش عدة ثورات في الوقت نفسه.
العالم يتغير سياسياً، واقتصادياً، وتكنولوجياً، وبيولوجياً، ومناخياً، واجتماعياً. موازين القوى الدولية تتبدل، ومراكز الاقتصاد العالمي تتحرك، وسلاسل الإمداد يعاد تشكيلها، والطاقة نفسها تدخل مرحلة جديدة. وفي الوقت الذي ما زالت فيه بعض الدول تعتمد على موارد طبيعية تشكل أساس اقتصادها، تتقدم تقنيات الطاقة المتجددة والتخزين والهيدروجين والمواد الجديدة بسرعة متزايدة.
وفي علوم الأحياء، لم يعد الإنسان يكتفي بفهم الحياة؛ بل بدأ يتدخل في تصميمها وتعديلها. الهندسة الوراثية، والطب الشخصي، والعلاجات الجينية، والتكنولوجيا الحيوية، والمواد الحيوية، كلها تفتح أبواباً لم تكن موجودة قبل عقود قليلة. أما المناخ، فيفرض سؤالاً آخر لا يمكن تأجيله. ارتفاع درجات الحرارة، ندرة المياه، الأمن الغذائي، التصحر، وتغير أنماط الإنتاج والهجرة، كلها قضايا ستعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات.
وفي السياسة، قد لا يكون عالم المستقبل أكثر استقراراً بالضرورة. التنافس على التكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية والرقائق والطاقة والمياه والبيانات قد يصبح جزءاً من صراع القوة بين الدول.
وهكذا، فإن المملكة التي تعتمد على مورد واحد قد تجد نفسها في يوم من الأيام أمام عالم لم يعد يحتاج إلى ذلك المورد بالطريقة نفسها.
المشكلة ليست أن مواردنا ستنضب غداً. المشكلة أننا لا نعرف متى تتغير قيمة هذه الموارد. فقد يبقى النفط في الأرض لعقود، لكن قيمته الاقتصادية والجيوسياسية قد تتغير قبل أن ينتهي.
وقد تبقى المعادن موجودة، لكن التكنولوجيا قد تكتشف مواد بديلة. وقد تستمر الموارد الطبيعية في إنتاج الثروة، لكن الاقتصادات الأكثر تقدماً قد تنتقل إلى إنتاج ثروة جديدة لا تعتمد على باطن الأرض، بل على العقول والبيانات والبرمجيات والابتكار.
أما الفضاء، فقصته أكثر إثارة. لم يعد الفضاء حلماً بعيداً لرواد يرتدون بدلات بيضاء. إنه يتحول إلى اقتصاد حقيقي: أقمار صناعية، اتصالات، ملاحة، مراقبة الأرض، مناخ، أمن غذائي، استكشاف، ومعالجة بيانات ضخمة. والسؤال هنا أيضاً ليس: هل سيصل العرب إلى الفضاء؟
لقد وصلوا.
السؤال الأهم: هل سنكون مستخدمين للفضاء، أم منتجين للمعرفة والاقتصاد المرتبط به؟
هناك فرق هائل بين أن نشتري قمراً صناعياً، وأن نمتلك القدرة العلمية والصناعية لبناء الجيل القادم منه. وبين أن نستخدم الذكاء الاصطناعي، وأن نكون قادرين على تطوير نماذجه. وبين أن نستورد روبوتاً، وأن نمتلك المعرفة التي تجعلنا نصمم الروبوت الذي تحتاجه مصانعنا. وبين أن نشاهد أفلام الخيال العلمي، وأن نمتلك علماء وكتّاباً ومهندسين يتخيلون المستقبل ثم يحولون الخيال إلى واقع.
وهل نستطيع أن نبني المستقبل منفردين؟
ربما يكون هذا أحد أكبر الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها على أنفسنا. العالم يتجه بصورة متزايدة نحو التكتلات والشراكات والمنظومات الاقتصادية والعلمية. الدول لا تبني المستقبل وحدها دائماً؛ الجامعات تتشارك، والشركات تتعاون، ومراكز الأبحاث تتكامل، ورؤوس الأموال تعبر الحدود بحثاً عن المعرفة والابتكار.
فلماذا لا يكون للعالم العربي مشروع عربي واسع في البحث العلمي والتطوير؟
ليس المقصود إلغاء خصوصية كل دولة أو مؤسساتها، بل بناء مساحات مشتركة في المجالات التي تتجاوز قدرة دولة واحدة: الذكاء الاصطناعي، الفضاء، الأمن السيبراني، الطاقة النظيفة، تحلية المياه، الزراعة الصحراوية، التكنولوجيا الحيوية، الصناعات الدوائية، أشباه الموصلات، المعادن الاستراتيجية، والروبوتات.
تخيل لو أن جزءاً من ثروتنا الحالية تحول بصورة منهجية إلى صناديق عربية مشتركة للبحث والتطوير.
تخيل شبكة من الجامعات العربية تعمل كمختبر علمي واحد. تخيل عالماً عربياً شاباً يستطيع أن ينتقل من جامعة عربية إلى مركز أبحاث عربي آخر، ومن مختبر إلى شركة ناشئة، ومن فكرة إلى مشروع، دون أن تضيع موهبته بين الحدود والإجراءات.
الوحدة العربية في القرن الحادي والعشرين قد لا تبدأ من السياسة؛ ربما تبدأ من العلم.
قد تكون أقوى وحدة بيننا هي أن نكتشف أننا نملك مشكلة مشتركة، وعقولاً مشتركة، وسوقاً ضخمة، وثروات يمكن أن تمول المعرفة، ثم نقرر أن نستثمر معاً في المستقبل. فالاستثمار في البحث العلمي ليس ترفاً أكاديمياً، ولا بنداً يمكن تخفيضه عندما تضيق الميزانية. إنه استثمار في السيادة الاقتصادية والتكنولوجية للأجيال القادمة. وإذا كان النفط قد بنى مدناً، فإن العلم يستطيع أن يبني حضارة.
ربما كانت مشكلتنا القديمة أننا كنا ننظر إلى المستقبل باعتباره شيئاً سيحدث لنا. أما العالم الجديد فيعامل المستقبل باعتباره شيئاً يمكن تصميمه . وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
لن تكون مملكة المستقبل هي المملكة التي تمتلك أكبر مخزون من الموارد الطبيعية، بل المملكة التي تمتلك أكبر قدرة على التعلم والابتكار والتجربة وتحويل المعرفة إلى قيمة. وقد لا تكون الثروة الأكبر في باطن الأرض، بل في عقل طفل يجلس اليوم في فصل دراسي. قد لا يكون أهم مصنع هو الذي ينتج ملايين القطع، بل المختبر الذي يكتشف تقنية تجعل تلك القطع أكثر ذكاءً وكفاءة. وقد لا يكون أقوى جيش هو الذي يمتلك أكبر عدد من المعدات، بل المجتمع الذي يمتلك المعرفة والقدرة على تطوير التكنولوجيا التي ستحدد شكل القوة في المستقبل.
وقد لا تكون أغنى دولة هي التي تملك أكبر احتياطي من الموارد، بل التي تستطيع أن تحول المعرفة إلى اقتصاد، والبحث إلى صناعة، والخيال إلى ابتكار، والشباب إلى قوة إنتاجية.
لهذا فإن مملكة الملح ليست حكاية عن مملكة خيالية. إنها مرآة.
مرآة تسألنا: ماذا سيحدث عندما تنتهي قيمة ما اعتدنا أن نعتبره مصدر قوتنا؟
هل سنظل واقفين أمام مخازننا القديمة، نحرس الملح ونفتخر بكثرته؟
أم سنفتح أبواب المملكة، ونرسل أبناءنا إلى المختبرات والجامعات ومراكز الفضاء، ونمنح العلماء والمخترعين والمبرمجين والمفكرين المكانة التي يستحقونها؟ هل سنكتفي باستهلاك المستقبل الذي يصنعه الآخرون؟
أم سنشارك في صناعته؟
ربما لن يكون السؤال في المستقبل: من يملك النفط ؟ بل: من يملك الفكرة؟
ومن يملك الفكرة قد يملك الغد. أما من يكتفي بحراسة ملحه، فقد يستيقظ ذات صباح ليكتشف أن العالم تغيّر مرة أخرى… وأن مملكته ما زالت تنتظر المستقبل عند البوابة.


