لم يكن الديربي الاسباني بين ريال مدريد و برشلونة او ما يعرف بالكلاسيكو يحظى لدى الجماهير المحلية بذات الزخم قبل الالفية. كانت دربيات أوروبية وعالمية أعلى متابعة من الكلاسيكو الاسباني (الديربي الانجليزي ليفربول و نوتنجهام فورست) وفي الدوري الايطالي ( ميلان والانتر ) وغيرها في هولندا وفرنسا و ألمانيا. ومرد الحضور المتأخر للكلاسيكو محليا على الاقل غياب تتويج الطرفين (الريال و البرشا) عن بطولة دوري الأبطال فترات طويلة ، حيث غاب الريال عن التتويج قرابة 30 عام حتى تطبيق النظام الجديد للبطولة ، فيما حصل البرشا على لقبه الاول عام 1992. وقد اتسمت فترتا السبعينات والثمانيات بسيطرة الكرة الهولندية عبر اياكس والالمانية عبر البايرن تواليا على البطولة ثم جاءت حقبة ليفربول ، وهو ما صنع قاعدتها الجاهيرية محليا .
وبجانب آخر سبب غياب النقل التلفزيوني و حقوق بث الدوري الاسباني ضعف متابعة الكلاسيكو حتى فتحت الجزيرة الرياضية (بي ان سبورت) أعين المتفرج العربي عموما على شراسة الكلاسيكو الاسباني ، خاصة بعد كأس العالم 2002 عندما اجتمع في الفريقين أشهر نجوم اللعبة ، لتبلغ ذروتها بالتنافس بين البرتغالي رونالدو والارجنتيني ميسي طيلة عقد من الزمن.
مع ذلك رحل من رحل عن الفريقين وبقي من بقى في السنوات الاخيرة لكن ظل الصراع مشتعلا بين جماهير الناديين ، وكأنها متلازمة مرضية يصعب الشفاء منها.
و المتلازمة مجموعة أعراض مرضية متزامنة في الوقت عينه مع مرض معين لكنها اكثر تعقيدا !! فجملة الأعراض لتلك المتلازمة محليا تتفاوت بين الانتماء المزيف بهدف المسايرة الاجتماعية و التعصب الشديد لاحد الفريقين ، وهو ما نتج عنه سلوكيات يستغرب منها الاسبان أنفسهم عندما يصل التعصب الكروي الى الشجار العنيف كما حصل بين عدد من الجماهير العربية بعد الكلاسيكو في البرنابيو عام 2020 !! وهذا الانتماء لا يفرق بين فئة عمرية وجنس فقبل يوم من الكلاسيكو الأخير ( 10 / 5 ) سُئلت من طفل لا يتعدى العاشرة من تشجع ؟ عندما انتبه لارتدائي احدى القمصان بشعار البرشا ، وهو الأمر ذاته حصل مع طفلة بالاول الابتدائي مع ذات القميص !!
العارض الثاني تواصل احتفالات الطرفين بالفوز على الآخر حتى ساعات متأخرة و الى الصباح ، فتتحول الرسائل الصباحية الى إشارات و إيماءات سخريةٍ من الفريق الخاسر ، في مطاردة محمومة للخاسر وتذكيره أينما ذهب !!
وثالث تلك العوارض تبرز في المناسبات الاجتماعية والتجمعات العائلية ، ساعتها يرتفع الصوت بين مشجعي الفريقين كل يعدد بطولاته وتاريخه ولا بأس بالتذكير بالنتائج الثقيلة !!
وفي خضم التراشق والتهكم و السخرية ، يتم هدم جدار الهيبة و المرؤة والحكمة حجرا حجرا من أجل الفوز في معركة غالبا لا تمت للعقل بشيء !
و انتقل الكلاسيكو بين البرشا و الريال إلى العالم الافتراضي ، حيث بلغ متابعو الفريقين 900 مليون ما يفوق سكان قارة كالقارة العجوز . كما يعتبر الناديان كيانين اقتصاديين كبيرين وكما تقول الشعارات ” أكثر من مجرد ناد” ، فهما الاكثر مداخيلا على المستويين المحلي و العالمي بسبب حقوق النقل التلفزيوني و العلامة التجارية للفريق.
و يبقى التذكير بمقولة لأحدهم ” أن لا نكون إسبانا أكثر من الاسبان أنفسهم ” فيما يتعلق بالتشجيع و الاستمتاع بالكلاسيكو بحيث تنتهي معاركه تماما بعد صافرة الحكم خلف الشاشة.
عوض المغني


