جريمة في بوردو (٥)

نشرت :

الفصل الخامس

جلس “سام” يفكر بكلام ابنته، وأخذ نفسًا عميقًا من السيجارة الكوبية الموجودة في الصندوق المطلي بالذهب الخالص، الموضوع أمامه، ونظر إلى تلك الصحيفة التي وضعتها ابنته أمامه ثم غادرت المكان. لقد بدأ شاحب الوجه، مضطرب الوجدان، وأخذ يردد قائلًا: يا لها من فتاة عنيدة. وسكت برهة ثم قال: ربما خوفًا على أبيها من عصابات المافيا، وضرب بيده على الطاولة قائلًا: وربما لكي لا تفقد الثروة التي يومًا ما ستؤول إليها. ومما أثار غضبه هو بحث ابنته عن الحقيقة، الحقيقة التي ظل يكتمها أربعة وعشرين سنة، وأخذته الذاكرة إلى أعوام مضت عندما تعرف على “رزالينا”، تلك الفتاة الجميلة ذات اللون البرونزي والشعر الأسود الطويل والقوام الكاريبي الجميل. لقد تعرف عليها في رحلته إلى كوبا، ولم يكن يظن أن تلك الرحلة سوف تفتح أبواب السعادة عليه. لقد أُعجب بتلك الفتاة لدرجة أن ركن عقله، وهو سلاحه السري في مواجهة الأخطار، قليلًا، وذهب معها بقلبه إلى آخر ما يمكن أن يذهب إليه رجل في مكانته الاجتماعية. وعندما صحا من خمرة الحب وجد نفسه منغمسًا مع المافيا في أعمال إجرامية. نعم، المافيا قد أفادته في تصفية خصومه، خصوصًا خصمه اللدود “جوني سكلوني”. ولكن رغم الخدمات التي قدمتها له المافيا، ظل يهفو إلى الحرية والعمل بعيدًا عن المافيا اللعينة. وعندما عاد إلى “بوردو” أخذ يتخلص من كل شيء يربطه بالمافيا، ويبدو أن الصحف قد علمت بالخبر، وقال بغضب: إنهم مجانين، الكل يعمل مع المافيا، ولكني لن أستسلم، فأنا حر. لقد تخلصت منهم وإلى الأبد.

نعم، خسرت شركة من شركاتي وسوقًا كبيرًا مثل السوق الكوبي، ولكن لا بأس، سوف أعوض ذلك في أماكن أخرى. وبعدها ضحك وهو يمسك بالسيجارة الفخمة: هذا كان الثمن الذي يجب أن أدفعه. وسكت وهو ينقر بأصبعه على طاولة مكتبه مفكرًا:

لكن يبدو أن هناك من ينبش ورائي لكي يحطمني في نظر ابنتي والمحيطين بي، ولا أعلم من الذي أخبر ابنتي بتعاوني مع المافيا.

ثم نهض من كرسيه وهو لا يعلم ماذا يفعل، فقد أحس أن الحبل قد التف حول عنقه! ماذا يفعل إذن؟ وأخذ يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وأخذ يقول: إني أعلم من أخبرها، نعم، كيف غاب عن بالي؟ لا أحد غيره.

Questo bastardo donnaiolo, rotto senza soldi

“ذلك الوغد زير النساء المفلس”

قالها بالإيطالية، فقد رجع إلى أصله الإيطالي، فهو عندما يغضب يتحدث الإيطالية.

ثم هدأ قليلًا وقال: لا بد أن أتصل بالكولونيل “رينو” وأقول له كل ما لدي من معلومات..

إنني أحس الموت يقترب مني بسرعة البرق!

•••••••

النقيب منى
مسقط

معقولة! رحلة إلى فرنسا… شكرًا لك يا زوجة أخي، ولكن…

واختفت فرحة “منى” وهي تقول:

ولكن…

“أبي لن يوافق”

فهو يقول إنك منذ عملك بالشرطة ونحن لا نراك إلا قليلًا، وهذه الأيام أهلي يستعدون للذهاب إلى إسطنبول في إجازة، والوالد يريدني أن أذهب معهم…

فماذا أعمل؟

أم هزاع: حبيبتي “منى”، أنا أعلم أن الذهاب مع أهلك متعة لا تفوت، ولكني…

وقالتها بصوت حاولت أن يكون خافتًا حتى لا يسمعها العميد “حمد”:

أريدك معي، أنت تعلمين أنني لا أجيد الفرنسية كثيرًا، وأبا هزاع، أقصد العميد “حمد”، لن يكون معي كثيرًا. أنا أعلم أنه زوجي، وأنا أدري بطباعه، ما دام هناك دعوة من صديقه، والصديق شرطي مثله، إذن لا بد أن تكون هناك مصيبة عاملها أحد المجرمين. وأنت تعرفين أخاك، لا يكتفي بالمشاهدة، لا بد أن يشارك فيها ولو باستشارة…

على العموم، اطرحي الفكرة على “عمتي” وأخبريني، وأتمنى أن تأتي معي.

“الجريمة”

وجد صندوق سعته خمسة وخمسون غالونًا، به رجل مقتول، وقد أُغلق الصندوق بإحكام، ثم أتوا بسلاسل ثقيلة لفوها حول الصندوق بعد أن خرقوا فيه ثقوبًا بمختلف جوانبه. بعدئذ حُمل الصندوق وأُلقي في مياه البحر قبالة شاطئ plage du lac…

كان من المحتمل أن يبقى الصندوق في قاع البحر إلى الأبد، لولا أن الغازات التي خرجت من جسد القتيل المتفسخ خففت الثقل النوعي للصندوق ودفعته ليطفو على سطح الماء.

عثر على الصندوق ثلاثة من صيادي السمك بينما كانوا يصطادون السمك.

يبدو أن القتلة اختاروا موتة على النمط التقليدي..

هكذا قال الكولونيل “رينو” وهو يكتشف موت “سام روزيللي” المفجع.

••••••••••••••••••

مفردات الكلمات

بلاج دي لاك / plage du lac
اسم البحر

هذا الوغد زير النساء المفلس

Questo bastardo

donnaiolo, rotto senza soldi

العمة: هي أم الزوج.

إسطنبول: مدينة تركية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img