الصلاح والفساد اختيار

نشرت :

بقلم: رانيا محمد علي

1. زوجة فرعون: زهرة نبتت في جوف الطغيان

في قصرٍ يُعبد فيه غير الله، وتحت سقفٍ يملكه أعتى طاغية في التاريخ، عاشت آسيا بنت مزاحم. لم تكن مجرد ملكة تنعم بالحرير والذهب، بل كانت تملك قلبًا يبحث عن النور.

عندما التقطت رضيعًا من اليم (سيدنا موسى)، قُذفت محبتُه في قلبها، وقالت لزوجها المتكبر: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ}.

دارت الأيام، وآمنت آسيا بدعوة موسى سرًّا، لكن الطغيان لا يرحم. عندما علم فرعون بإيمانها، جنَّ جنونه؛ كيف لزوجته، أقرب الناس إليه، أن تتحدى ألوهيته المزعومة؟

أمر بتعذيبها وتثبيتها بالأوتاد تحت أشعة الشمس الحارقة. وفي لحظات الألم الأخيرة، نظرت إلى السماء وابتسمت، فقد رأت مقعدها في الجنة، وهي تدعو: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}.

مات الجسد، وبقيت الروح رمزًا للصلاح الذي لا يفسده محيطٌ خبيث.

2. زوجة لوط: خيانة العقيدة خلف جدران النبوة

على النقيض تمامًا، في بيتٍ يفوح بالوحي والطهارة، عاشت زوجة نبي الله لوط عليه السلام.

كانت تعيش مع نبيٍّ يحمل رسالة السماء لتطهير الأرض من أبشع الرذائل، لكن قلبها لم يتشرب هذا النور، واختارت عمدًا أن تنحاز إلى قومها المفسدين.

لم تكن خيانتها خيانة شرف، بل خيانة عقيدة وتجسس. كانت العين الساهرة لقومها داخل بيت النبي؛ فإذا استقبل لوط ضيوفًا، سارعت بإشعال النار أو إرسال الإشارات لتخبر الفاسدين بوجود صيدٍ ثمين.

وعندما جاء أمر الله بنزول العذاب، أُمر لوط بالخروج ليلًا مع أهله، وأُمروا ألا يلتفت منهم أحد. لكنها التفتت، حنينًا وشوقًا إلى أهل الباطل، فأصابها ما أصابهم من الحجارة والعذاب، لتكون عبرةً بأن مجاورة الأنبياء لا تنفع إن كان القلب مظلمًا.

3. زوجتا إسماعيل: بين جحود النعمة وحسن الرضا

هنا نقف أمام قصتين مختلفتين لنبي واحد، وهو إسماعيل عليه السلام، حيث تزوج مرتين:

الزوجة الأولى (العمارة بنت سعد): زارها النبي إبراهيم عليه السلام في غياب ابنه ليطمئن عليهما، فوجد امرأة تشتكي ضيق العيش، والفقر، والشدة. لم تحفظ سر بيتها، ولم ترضَ برزقها مع نبي.

وعندما عاد إسماعيل، أخبرته بوصف الشيخ وتوصيته: «غيِّر عتبة بابك». ففهم النبي إشارة أبيه، فطلَّقها؛ لأنها لا تصلح لبيت النبوة.

الزوجة الثانية (هالة بنت سبيع): تزوجها إسماعيل بعد ذلك. وعاد إبراهيم ليقصد بيتهما ثانية، فوجد امرأة تفيض بالرضا والشكر. سألها عن حالهما، فقالت: «نحن بخير ونعمة»، وأثنت على الله رغم بساطة حالهما.

فترك لها إبراهيم رسالة: «ثبِّت عتبة بابك». فكانت الزوجة الصالحة التي تعين زوجها، وتستحق شرف البقاء في بيت النبوة.

العبرة بقلمكِ:

البيوت لا تضمن الصلاح تلقائيًا؛ فصلاح الزوج لا يحمي الزوجة إن اختارت الضلال (كزوجة لوط)، وفساد البيئة لا يضر المرأة إن تمسكت بالحق (كزوجة فرعون)، والرضا هو أساس البيوت المستقرة (كما في زوجتي إسماعيل).

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img