ظفار… عندما انتصر القلب على المستحيل

نشرت :

ليست الأوطان مجرد حدودٍ وجغرافيا، بل هي ضمائرُ حيّة، وقلوبٌ تعرف كيف تنحاز للإنسان حين يشتد عليه الألم. وهناك مواقف لا يكتبها المؤرخون، وإنما تكتبها دموع الفرح في عيون المحتاجين، وتحفظها ذاكرة الشعوب بوصفها شواهد على نُبل الإنسان. ولقد أثبتت ظفار، في أكثر من موقف، أن خير أهلها وعطاءهم لا يقف عند حدود المحافظة، بل يمتد إلى ربوع عُمان كافة، كما حدث في وقفتهم الإنسانية مع الطفل سالم الشيدي، ثم تجلّى المشهد بأبهى صوره في قصة الطفل أحمد العجمي، لتؤكد أن الإنسان العُماني، متى ما ناداه الواجب، لبّى النداء بقلبه قبل يده.

لم يكن مرض الطفل أحمد العجمي خبرًا عابرًا، ولا حالةً صحية تستدعي التعاطف المؤقت، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقيم المجتمع، فجاءت الإجابة من ظفار بحجم تاريخها وأصالة أهلها. فقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يبتلي هذا الطفل بمرضٍ عضال يتطلب علاجًا باهظ التكاليف، وما كان لأحد أن يغيّر قضاء الله، لكن الجميع استطاع أن يجعل من الرحمة قوة، ومن التكافل رسالة، ومن العطاء عنوانًا لوطنٍ لا يتخلى عن أبنائه.

لقد تدفقت المساعدات من كل بيت، ومن كل فئة في المجتمع؛ من الميسورين، ومن أصحاب الدخل المحدود، ومن الباحثين عن عمل، ومن نساء ظفار الماجدات، اللاتي أثبتن مرةً أخرى أن المرأة العُمانية شريكة الرجل في ميادين الإنسانية، وأنها تحمل في قلبها من الرحمة ما يجعلها دائمًا في مقدمة صفوف العطاء.

ورأيت، من موقعي كرئيسة لجمعية المرأة العُمانية بصلالة، مشاهد ستظل محفورة في الذاكرة ما حييت. رجالٌ باعوا سياراتهم، وآخرون باعوا جمالهم التي كانت مصدر رزقهم، وغيرهم فرّطوا في جزءٍ من ممتلكاتهم، وكل ذلك من أجل طفلٍ لم يعرفوه يومًا، ولم تجمعهم به صلة، سوى أن قلبه كان يستغيث، وأن إنسانيتهم رفضت أن تقف موقف المتفرج.

لقد علّمنا أحمد العجمي درسًا لن تنساه ظفار، ولا عُمان بأسرها؛ أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعمره، ولا بمنصبه، ولا بما يملك، بل بما يستطيع أن يوقظه في قلوب الآخرين من خير ورحمة. لقد جمع القلوب قبل أن تُجمع له التبرعات، ووحّد المشاعر قبل أن تتوحد الجهود.

فكل الشكر لرجال ظفار الأشاوس، ولنسائها الماجدات، ولكل يدٍ امتدت بالعطاء، ولكل قلبٍ دعا، ولكل إنسانٍ شارك، ولو بكلمة طيبة أو دعاء صادق. كما نتوجه بخالص التقدير إلى الحكومة الرشيدة، التي كانت، ولا تزال، القدوة في ترسيخ قيم الرحمة والتكافل والتلاحم المجتمعي، وهي القيم التي استلهم منها أبناء هذا الوطن مواقفهم الإنسانية النبيلة.

ستبقى قصة أحمد العجمي أكثر من مجرد حكاية طفلٍ احتاج إلى العلاج؛ إنها شهادة خالدة على أن الخير لا يزال متجذرًا في النفوس، وأن ظفار، حين تُنادى للإنسانية، لا تتأخر، بل تتحول إلى قلبٍ واحد ينبض بالمحبة. وسيظل هذا الموقف وسامًا على صدر كل من شارك فيه، ودليلًا على أن عُمان لا تُعرف بثرواتها فحسب، وإنما تُعرف أولًا بأخلاق شعبها، وبالرحمة التي تسكن قلوب أبنائها، وبالإنسان الذي يجعل من العطاء أسلوب حياة، ومن التكافل عنوانًا لوطنٍ يستحق أن نفخر بالانتماء إليه.

بقلم: نور بنت حسن الغسانية


رئيسة جمعية المرأة العُمانية بصلالة

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img