“أحزان وحيد القرن”.. لوحات عن هشاشة الإنسان المعاصر

نشرت :

مسقط : العمانية

يشكل معرض "أحزان وحيد القرن" للفنان التشكيلي الأردني خلدون الداوود، الذي افتُتح في رواق البلقاء بالتزامن مع إشهار رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب موسى برهومة، تجربة بصرية مستقلة أعادت قراءة الرواية بلغة اللون والخطوط والوجوه.

قدم الفنان التشكيلي في أعماله حوارًا عميقًا مع نص برهومة، حيث جاءت اللوحات لتسرد الحكاية على المستوى البصري، ويسهُل ملاحظة ما تفرضه الوجوه من حضور يستحوذ على فضاء المكان؛ وجوه كبيرة تحتل معظم مساحة اللوحات، وتبدو كأنها تنظر إلى المشاهد مباشرة، لكنها لا تقدم ملامح مكتملة بقدر ما تقدم حالات شعورية، حيث يبدو أن الفنان لا يهدف إلى رسم شخصيات بعينها، وإنما إلى اختزال الإنسان في وجهٍ يطرح الأسئلة حول الوجود والاغتراب والحنين، وهي الموضوعات نفسها التي تنشغل بها الرواية.

ويكشف المعرض عن انتماء واضح للمدرسة التعبيرية، حيث تتراجع الواقعية لصالح التعبير النفسي؛ فالملامح تتعرض للاختزال والتحوير؛ الأنوف تمتد بخطوط طويلة، والعيون تتسع حتى تصبح مركز الثقل في اللوحة، بينما تتقلص الأفواه إلى إشارات صغيرة، وكأن الشخصيات فقدت القدرة على الكلام وأصبحت تتواصل عبر لغة صامتة.

هذه التشوهات الشكلية لا يمكن النظر إليها على أنها عيوب في البناء، إذ تتحول إلى أدوات فنية تعبّر عن هشاشة الإنسان المعاصر؛ فالوجه في لوحات الداوود يشكل مساحة تتجسد عليها الانفعالات والذكريات والمشاعر الخبيئة، حتى يبدو كل عمل أقرب إلى الاعتراف الداخلي منه إلى مجرد بورتريه.

ويعتمد الفنان على تقنية الأكريليك فوق القماش، مستفيدًا من كثافة المادة اللونية وقدرتها على بناء طبقات متعددة فوق سطح اللوحة، وهو يترك آثار فرشاته واضحة، فلا يحاول إخفاء حركة اليد، بل يجعلها جزءًا من التعبير، لتتحول ضربات اللون إلى نبضات نفسية تكشف توتر اللحظة التي أُنجز فيها العمل.

وتؤدي الألوان دورًا مركزيًّا في تشكيل الدلالة، فتدرجات الأصفر والذهبي والبرتقالي تضيء أجزاءً من الوجوه كأنها بقايا أمل أو ذاكرة بعيدة، فيما يتسلل الأزرق والرمادي والبنفسجي إلى مناطق الظل لتعميق الإحساس بالعزلة والانكسار، أما الأحمر، الذي يظهر في الشفاه أو حول العيون أو في خلفيات بعض الأعمال، فيبدو كأنه أثر جرح قديم أو انفعال مكبوت استطاع أن يطفو على السطح.

وتقوم معظم اللوحات على الاقتصاد البصري، حيث لا يحضر المكان أو التفاصيل الثانوية المحيطة بالوجه، وتبدو الخلفيات مجرد مساحات لونية فضفاضة، وهذا الاختزال في التفاصيل يمنح الأعمال طابعًا كونيًّا، فلا يعود الشخص المرسوم فردًا بعينه، بل يصبح رمزًا للإنسان أينما وُجد.

وتتداخل الوجوه في عدد من الأعمال داخل اللوحة الواحدة، حتى يبدو الوجه الثاني وكأنه ظل للأول، أو صوتُه الداخلي، أو ذاكرتُه التي تلاحقه، ويُنشئ هذا التداخلُ إحساسًا بانقسام الذات، وهو أحد أبرز الموضوعات التي تتردد في الرواية، حيث يعيش الإنسان صراعًا بين ما يعيشه وما يتمناه، وكذلك بين صورته أمام نفسه وصورته أمام الآخرين.

واعتمد الفنان على خطوط سوداء قوية ترسم حدود الوجوه، لكنها لا تغلقها تمامًا، إذ تسمح للألوان بأن تتجاوزها في أكثر من موضع، في إشارة إلى أن الإنسان أكبر من حدوده الخارجية، وأن المشاعر لا يمكن احتواؤها داخل شكل ثابت، ورغم أن اللوحات مستوحاة من رواية برهومة، إلا أنها لا تكتفي بتقديم مشاهد سردية أو رسوم توضيحية للأحداث، بل تذهب إلى جوهر النص، مستلهمةً مناخه الفلسفي وطروحاته الوجودية، لذلك يشعر المشاهد بأنه يقرأ الرواية من جديد، ولكن بعينَي الرسام، حيث تتحول الكلمات إلى كتل لونية، والجمل إلى خطوط، والمشاعر إلى وجوه تحدق في الفراغ.

وعبّرت الكاتبة بسمة النسور في حديثها عن هذه التجربة عن العلاقة التكاملية بين الرواية والمعرض بقولها إن خلدون الداوود "أنجز لوحات فاتنة استوحاها من النص/ القصيدة، والرواية، والبيان الاحتجاجي، والصرخة، ونزف الروح التي تتشبث بالحياة رغم اشتراطاتها المجحفة".

أما الدكتور عمر الرزاز فقال: إن القارئ يعتقد في البداية أن الكاتب استسلم لواقع مليء بالألم، ثم لا يلبث أن يكتشف أن الكاتب يقاوم اليأس ولا يرفع الراية البيضاء، كما تدفع الرواية المتلقي إلى التصالح مع نفسه وألا يقف مكتوف اليدين أمام العالم.

وشهدت الفعالية قراءة مسرحية قدمها الفنان زهير النوباني لمقطع من الرواية حمل عنوان "من غير ليه"، بينما أكد المفكر الدكتور فهمي جدعان أن "أحزان وحيد القرن" تجاوزت البناء التقليدي للرواية، ونحت باتجاه الفلسفة، لتعيد مساءلة القلق الوجودي للإنسان المعاصر.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img