د. رفيعة الحجرية
في هذه الحياة، نلتقي بأشخاصٍ كثيرين، وتجمعنا بهم المجالس والحوارات والمواقف المختلفة. نتبادل معهم الحديث، ونناقش الأفكار، ويعبّر كل واحد منا عن رؤيته وقناعته، وقد نتفق أحيانًا، ونختلف أحيانًا أخرى.
وهنا تظهر حقيقة الإنسان، ليس في قدرته على إقناع الآخرين برأيه، وإنما في قدرته على احترام اختلافهم معه.
فليس من الضروري أن تتطابق أفكارنا حتى تتآلف قلوبنا، ولا يشترط أن نتفق في كل شيء حتى نحافظ على الود. فالاختلاف سنة من سنن الحياة، ولو أراد الله للناس أن يكونوا على رأي واحد لجعلهم كذلك، ولكن تنوع الأفكار والرؤى هو الذي يثري الحياة، ويفتح أبوابًا جديدة للفهم والمعرفة.
المشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في الطريقة التي نختلف بها.
فكم من حوارٍ بدأ بفكرة وانتهى بقطيعة، وكم من اختلافٍ بسيط تحوّل إلى جفاء، فقط لأن أحد الطرفين لم يتقبل أن يكون للآخر رأي مختلف عنه.
نحن أحيانًا لا نناقش الفكرة، بل نشعر وكأننا نناقش ذواتنا، فإذا خالفنا أحدٌ في رأيه اعتبرنا مخالفته انتقاصًا منا، وإذا لم يقتنع بما نقول شعرنا وكأنه يرفضنا نحن، لا يرفض الفكرة التي طرحناها.
وهنا يكمن الخلل..
الرأي ليس صاحبه، والاختلاف مع الفكرة لا يعني الاختلاف مع الإنسان.
قد أختلف معك في وجهة نظرك، لكنني أقدّر عقلك.
وقد لا أقتنع بما تقول، لكنني أحترم حقك في ما تقوله.
وقد ترى الأمر من زاوية مختلفة عن زاويتي، وهذا لا يجعل أحدنا أفضل من الآخر، وإنما يعني أن لكل منا تجربته ومعرفته وطريقته في النظر إلى الأشياء.
ومن أجمل ما يمكن أن نتعلمه في حياتنا أن نقول: “أحترم رأيك، وإن كنت لا أتفق معك.”
هذه الجملة البسيطة تختصر الكثير من الرقي.
فالحوار الراقي لا يحتاج إلى رفع الصوت، ولا إلى التقليل من الآخر، ولا إلى السخرية من أفكاره، ولا إلى محاولة الانتصار عليه أمام الآخرين. الحوار الحقيقي هو أن نخرج منه وقد كسبنا فهمًا جديدًا، حتى وإن لم نكسب الاتفاق.
ولعل أجمل العلاقات الإنسانية ليست تلك التي تخلو من الاختلاف، وإنما تلك التي تتسع للاختلاف دون أن تضيق بالمحبة.
فلنختلف كما نشاء، ولكن دون أن نجرح.
ولنناقش كما نشاء، ولكن دون أن نهين.
ولنتمسك بآرائنا، ولكن دون أن نصادر آراء الآخرين.
فليس كل من خالفنا خصمًا، وليس كل من لم يقتنع بكلامنا ضدنا، وليس كل اختلافٍ بداية للخصام.
أحيانًا يكون الإنسان الذي يختلف معك هو أكثر الناس صدقًا معك؛ لأنه منحك فرصة أن ترى ما لم تره، وأن تفكر في زاوية لم تخطر لك من قبل.
وفي نهاية المطاف، تبقى العلاقات الإنسانية أكبر من الآراء العابرة، وتبقى المحبة أوسع من مساحة الاختلاف.
فكم من رأيٍ تغير مع الأيام، وكم من قناعة تبدلت مع التجارب، وكم من موقف كنا نظنه حقيقة مطلقة ثم اكتشفنا أننا كنا نراه من زاوية واحدة.
لذلك، لا تجعل اختلافًا في الرأي يهدم علاقة، ولا تجعل نقاشًا عابرًا يترك في قلبك أثرًا من الكراهية.
اختلف معي في الفكرة، ولكن لا تختلف معي في الود.
ناقشني، وحاورني، وأقنعني إن استطعت، ولكن اترك بيننا مساحة من الاحترام لا تهدمها الكلمات.
فالحياة أقصر من أن نخسر أحبةً بسبب رأي، وأجمل من أن نحول كل اختلاف إلى معركة.
وفي النهاية…
قد تختلف العقول، وتتباين الرؤى، وتتعدد القناعات، لكن القلوب الناضجة تعرف كيف تختلف دون أن تتخاصم، وكيف تتحاور دون أن تتجـرح، وكيف تحفظ للود مكانه مهما اختلفت الآراء.
وهنا فقط يصبح قولنا:
“الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” ليس مجرد عبارة نرددها، بل ثقافة نعيشها وأخلاقًا نمارسها.


