تجارة “الترند” على حساب الأسرة: مَن يحمي الميثاق الغليظ من عبث الإعلانات؟

نشرت :

لم يكن تصفحي لمنصات التواصل الاجتماعي قبل أيام مجرد عبور متصفح، بل كان دافعاً أساسياً لكتابة هذه السطور. فقد استوقفني منشورات ترويجية لعدة حسابات تجارية، إعلانات صاغها صاحبها بأسلوب فكاهي مستفز يخيّرون فيه المرأة بين رباطها المقدس (زوجها) وبين وجبة طعام، متسائلين بابتذال: “كيف تستبدلين زوجكِ بـ…؟”

هذا الموقف، ورغم بساطته الظاهرية كإعلان عابر، أشعل في نفسي ناقوس الخطر، وقادني فوراً لكتابة هذا المقال. فهو لم يعد مجرد محاولة تسويق طريفة، بل هو مؤشر على منزلق خطير باتت تتجرأ فيه بعض الحسابات التجارية وصنّاع المحتوى الإعلاني على مناطق كادت أن تكون محصنة بقوة الوعي الفطري والمجتمعي؛ حيث غدا رابط الزواج، الذي وصفه رب العزة سبحانه في كتابه الكريم بـ “الميثاق الغليظ”، مادة خصبة للتندر وجلب التفاعل.

إن الخطورة الحقيقية لمثل هذه الإعلانات لا تكمن في سطوحها الاستهلاكية فحسب، بل في الأثر التراكمي والنفسي الذي تزرعه في وعي المجتمع، ولا سيما الشباب والجيل الناشئ. فالإعلان ليس مجرد وسيلة لبيع منتج؛ بل هو أداة قوية لبناء وتشكيل الثقافة العامة وتطبيع السلوكيات.

من الهزل إلى الانهيار: كيف يُمهّد الاستخفاف لطريق الفراق؟

عندما يتم تقديم فكرة “استبدال الشريك” أو الاستغناء عن الزوج أو الزوجة بطريقة هزلية وساخرة، ومن أجل قيمة استهلاكية رخيصة كوجبة طعام أو منتج ترفيهي، فإننا نساهم بشكل غير مباشر في نسف القيمة المعنوية والأخلاقية لمؤسسة الزواج. إن هذا التكرار المستمر للاستهزاء يولد لدى الأجيال الناشئة نظرة دونية وسطحية للعلاقة الزوجية، مجرداً إياها من قيم الصبر، والمودة، والمسؤولية المشتركة.

إن الدراسات الاجتماعية والواقع يؤكدان أن انهيار الأسرة يبدأ غالباً من اللحظة التي يفقد فيها الشريكان الاحترام المتبادل ويستخفان بقيمة الرباط الذي يجمعهما. ومثل هذه الرسائل الإعلانية الهابطة تعزز الفردانية والأنانية، وتجعل قرار الانفصال أو التخلي أمراً سهلاً ومستهاناً به في العقول الباطنة، مما يتسبب تدريجياً في زيادة معدلات الطلاق وتفكك الأسر التي هي لبنة المجتمع العُماني الأساسية.

المنظومة القانونية العُمانية في مواجهة العبث الإعلاني:

حين نطالب بوقفة حازمة وتجريم هذه الأفعال، فإننا لا ننطلق من فراغ، بل نستند إلى أرضية قانونية صلبة شرّعتها سلطنة عُمان لحماية الآداب العامة والنظام الاجتماعي، والتي يجب تفعيلها بصرامة ضد هذه التجاوزات:

قانون المطبوعات والنشر (المرسوم السلطاني رقم 49/84): تنص المادة (25) صراحة على حظر نشر كل ما من شأنه المساس بالآداب العامة، أو النظام العام، أو القيم الدينية والاجتماعية للمجتمع. وإقحام قدسية العلاقة الزوجية في قوالب رخيصة هو مساس علني بهذه القيم.

اللائحة التنظيمية لقانون المطبوعات والنشر: تؤكد المواد الخاصة بالمصنفات الفنية والإعلانية على وجوب احترام النظام الاجتماعي وعدم التقليل من شأن الأسرة كركيزة أساسية للمجتمع.

قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (المرسوم السلطاني رقم 12/2011): تشير المادة (16) إلى العقوبات المتعلقة بنشر مواد تنتهك القيم الدينية أو الآداب العامة عبر الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات، وهو ما ينطبق تماماً على الحسابات التجارية التي تنشر محتواها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ضوابط تنظيم الإعلانات (وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار): تشترط اللوائح التجارية ألا تتضمن المواد الإعلانية أي عبارات أو رسوم تتنافى مع العادات والتقاليد العُمانية الأصيلة، أو تحث على سلوكيات تهدم الاستقرار الأسري.الحصانة المجتمعية والمطالبة بالتشريع.

إن حماية المجتمع ومكتسباته الأصيلة تتطلب تحركاً تشريعياً وتنظيمياً مواكباً لجرأة التسويق الرقمي الحديث، وذلك من خلال:

تغليظ العقوبات الإدارية والمالية: نطالب وزارة الإعلام ووزارة التجارة والصناعة بتشديد العقوبات وسحب تراخيص الإعلان بشكل مؤقت أو دائم عن المؤسسات التي تتعمد استخدام “الإعلانات الصادمة” والمستفزة للقيم الأسرية كأداة تسويقية.

إصدار ميثاق شرف للمحتوى التسويقي الرقمي: صياغة لائحة حديثة ومحددة تلزم الشركات ووكالات الدعاية باحترام الثقافة العُمانية، وتمنع استخدام التندر بالطلاق أو الخلافات الأسرية في المواد الترويجية.

المسؤولية المشتركة للمستهلك: يقع على عاتقنا كمستهلكين ووعاة في المجتمع ألا نمرر هذه الإعلانات بالتفاعل أو الصمت، بل برفضها وتفعيل قنوات الإبلاغ الرسمية عبر منصات حماية المستهلك والبلديات المختصة لحماية بيئتنا الفكرية والأخلاقية.

إن الحفاظ على قدسية الزواج وحصانة الأسرة هو صمام الأمان لـ عُمان ومستقبل أبنائها، والاستثمار في وعي المستهلك واحترام قيمهم هو الربح الحقيقي المستدام لأي مشروع تجاري. ولتظل شاشاتنا مرآة تعكس وقارنا، لا منصات لبيع قيمنا من أجل “تفاعل” عابر.

كتبه:
المهندس/ محمد بن فضل البلوشي

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img