عرض وقراءة في فيلم النهر العُماني

نشرت :

ضمن برنامج المنصات الثقافية في الولايات – ولاية المصنعة، تحت إشراف النادي الثقافي وبالتعاون مع شبكة المصنعة الثقافية ،أُقيمت صباح الأربعاء الموافق 23 سبتمبر 2026م في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية – المصنعة فعالية ثقافية سينمائية بعنوان «عرض وقراءة في فيلم النهر العُماني»، بحضور عدد من المهتمين بالسينما والتاريخ والثقافة والتراث العُماني.

وشارك في الجلسة كل من مخرج الفلم أيمن النعماني، والأستاذ السينمائي أحمد بن عامر الحضري، والباحث في التاريخ والجيولوجي حارث الخروصي، فيما تولت الإعلامية مشاعل القاسمي إدارة الحوار والربط بين محاوره ومداخلات الحضور.

واستهلت الفعالية بعرض مادة من مشروع فيلم «النهر العُماني»، الذي يتناول واحدًا من المشاريع المائية والتنموية في التاريخ العُماني في عهد دولة اليعاربة، وهو مشروع الفلج الكامل بعهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي، المعروف بـ**«قيد الأرض»**، والذي حكم خلال الفترة 1692–1711م.

النهر العُماني… حكاية الماء والهندسة والإنسان

تركزت الفعالية حول محاولة الفيلم البحث في حكاية هذا المشروع المائي الكبير، الذي يُروى أنه امتد عبر مسافات طويلة، جامعًا المياه من منابع ومناطق جبلية متعددة، قبل أن يشق طريقه باتجاه الأراضي الزراعية في سهل المصنعة الساحلي.

ويتتبع الفيلم منابع المياه القادمة من المناطق الجبلية في وادي السحتن ووادي بني غافر، مرورًا بعدد من القرى والمنابع، من بينها يقاء وفسح وعين الخضراء وحيل بنت وغيرها في وادي السحتن، وصولًا إلى القناة في منطقة المسفاة بولاية الرستاق، حيث تتشكل قناة كبيرة تتجه بعد ذلك نحو منطقة جماء بأطراف الرستاق وصولاً إلى الطريف ومزارع الشعيبة بولاية المصنعة.

وتناول النقاش الروايات والمعلومات المتداولة حول امتداد هذا المشروع لمسافة تزيد على 110 كيلومترات، ووصول عرض أجزاء من مجراه إلى نحو مترين، وهو ما دلت عليه الشواهد التاريخية والميدانية المؤيدة لهذ الإنجاز الهندسي الاستثنائي بمقاييس الفترة التي أُنشئ فيها.

ووصف الباحث حارث الخروصي هذا المشروع، في سياق قراءته له، بأنه «أعجوبة زمانه في البناء والهندسة»، متوقفًا عند طبيعة التضاريس التي عبرتها قنواته، وما كان يتطلبه شق مجاري المياه عبر البيئات الجبلية والصخرية من معرفة دقيقة بالأرض وانحداراتها وحركة المياه.

أيمن النعماني: البحث عن سر «النهر»

وتحدث المخرج أيمن النعماني عن رحلة البحث التي قادته إلى مشروع فيلم «النهر العُماني»، موضحًا أن العمل لم ينطلق من الرغبة في توثيق فلج فحسب، وإنما من سؤال أكبر وهو : كيف استطاع العُمانيون في تلك الحقبة تسخير الجغرافيا والماء والهندسة لخدمة مشروع تنموي واقتصادي بهذا الحجم؟

وأشار إلى أن أكثر ما يثير الدهشة هو مرور أجزاء من مسار الفلج في بيئات جبلية وصخرية شديدة الصعوبة، من خلال قنوات أنشئت بإمكانات البسيطة في ذلك العصر، لكنها تنمي عن معرفة هندسية ومائية متقدمة في التعامل مع الأرض.

وأوضح أن التحدي الأكبر يظهر عند انتقال المسار من الطبيعة الصخرية إلى سيح المصنعة ذي الطبيعة الرملية والتربة الهشة؛ إذ تصبح المحافظة على مسار المياه وثبات القناة أمام الرمال والانهيارات تحديًا هندسيًا مختلفًا تمامًا عن شق القنوات في المناطق الصخرية.

كما تناول النعماني إحدى أكثر الروايات إثارة التي يبحث فيها الفيلم، وهي الحديث عن اتساع أجزاء من مجرى الفلج بما سمح باستخدام زوارق صغيرة في نقل بعض البضائع، الأمر الذي يمنح تسمية «النهر العُماني» بعدها الدلالي، وكأن المشروع لم يكن قناة ري فحسب، بل شريانًا اقتصاديًا وتنمويًا مصغرًا.

وأكد النعماني أن الفيلم لا يسعى إلى تقديم كل الروايات باعتبارها حقائق نهائية، وإنما إلى البحث والتحقق والمقارنة بين الشواهد والروايات والمصادر، خاصة أن جوانب من قصة المشروع ما تزال غامضة وتحتاج إلى مزيد من البحث التاريخي والميداني.

حارث الخروصي: أعجوبة هندسية تستحق البحث

وتناول الباحث الجيولوجي حارث الخروصي المشروع من زاوية الأرض والجيولوجيا والهندسة، موضحًا أن فهم عظمة المشروع لا يكتمل بالنظر إلى طوله وحده، وإنما من خلال دراسة طبيعة الأرض التي يمر بها، وفروق المناسيب، والتكوينات الصخرية والجبلية، ثم الانتقال إلى التربة الرملية والهشة في المناطق الساحلية.

وأشار إلى أن إنشاء قناة مائية ممتدة عبر بيئات جيولوجية مختلفة يطرح أسئلة علمية وهندسية مهمة حول وسائل المسح وتحديد الانحدار وحماية المجرى والمحافظة على حركة المياه بالإمكانات المتاحة آنذاك.

كما تناول أهمية الشواهد المادية المتبقية، وضرورة دراستها إلى جانب الوثائق والمصادر التاريخية والخرائط والرواية الشفوية، للوصول إلى تصور علمي أكثر دقة عن المشروع ومساره وطريقة بنائه.

ومن هنا وصف الخروصي المشروع بأنه «أعجوبة زمانه في البناء والهندسة»، لما يكشفه من قدرة الإنسان العُماني على قراءة طبيعة الأرض وتوظيفها لخدمة الإنسان والزراعة والاستقرار.

أحمد الحضري: كيف تتحول المعلومة التاريخية إلى سينما؟

ومن جانبه قدم الأستاذ والناقد السينمائي أحمد الحضري قراءة نقدية للمشروع من زاوية سينمائية، متوقفًا عند التحدي الذي يواجه المخرج حين يتعامل مع موضوع تاريخي ما تزال بعض تفاصيله بحاجة إلى البحث والتحقق.

وتناول العلاقة بين الوثيقة والرواية والصورة السينمائية، وكيف يستطيع الفيلم الوثائقي أن يقدم موضوعًا تاريخيًا دون أن يتحول إلى محاضرة مصورة، وفي الوقت نفسه دون التضحية بالدقة التاريخية لصالح الإثارة البصرية.

كما ناقش عناصر البناء السينمائي، من التصوير والمونتاج والتعليق الصوتي والموسيقى والإيقاع وبناء الحكاية، مؤكدًا أن قوة الفيلم الوثائقي تكمن في قدرته على جعل المشاهد يطرح الأسئلة ويشارك في رحلة الاكتشاف.

وتوقف عند أهمية هذا النوع من الأفلام في السينما العُمانية؛ لما تمتلكه عُمان من مادة تاريخية وحضارية وجغرافية ثرية يمكن تحويلها إلى أعمال سينمائية قادرة على مخاطبة الجمهور محليًا وخارجيًا.

مشاعل القاسمي تقود الحوار

وتولت الإعلامية مشاعل القاسمي إدارة الجلسة، متنقلة بالحوار بين الرؤية الإخراجية للمخرج أيمن النعماني، والقراءة التاريخية والجيولوجية لحارث الخروصي، والقراءة السينمائية النقدية لأحمد الحضري.

وطرحت القاسمي عددًا من الأسئلة حول حقيقة المشروع ومصادر المعلومات المتعلقة به، وكيفية التحقق من مساره وأبعاده، وأسباب غياب هذه القصة عن المعرفة العامة، إضافة إلى السؤال عن مسؤولية السينما عندما تتعامل مع رواية تاريخية لم تُكشف جميع أسرارها بعد.

كما فتحت المجال أمام الحضور لمناقشة العلاقة بين التاريخ والسينما والبحث العلمي، ومدى إمكانية الاستفادة من التقنيات الحديثة والدراسات الجيولوجية والمسح الميداني في تتبع ما تبقى من مسار الفلج وإعادة بناء صورته التاريخية.

أكثر من فلج… مشروع تنموي متكامل

وخلص النقاش إلى أن أهمية «النهر العُماني» الفلج الكامل لا تكمن في أبعاده الهندسية وحدها، وإنما فيما يمكن أن يكشف عنه من فكر تنموي واقتصادي ارتبط بالماء والزراعة واستصلاح الأرض وتحقيق قدر من الاكتفاء في المنتجات الزراعية واستقرار المجتمعات.

كما تفتح قصة المشروع نافذة لفهم جانب من عزيمة العُمانيين وقدرتهم على تسخير الأرض والمياه لخدمة الحياة والاقتصاد، وهي الفكرة التي يسعى الفيلم إلى تقديمها بلغة سينمائية تجمع بين البحث التاريخي والمشاهدة الميدانية والصورة الوثائقية.

وأكد المشاركون أهمية استكمال البحث في المشروع، وعدم التوقف عند الروايات المتداولة، والعمل على جمع الوثائق والشواهد وإجراء الدراسات الميدانية والجيولوجية؛ فـالحكاية ما تزال تحمل أسرارًا وتفاصيل غامضة ومبهمة تستحق الكشف عنها.

واختُتمت الفعالية بالتأكيد على أن مشروع فيلم «النهر العُماني» يتجاوز توثيق منشأة مائية تاريخية، ليقدم قصة عن الإنسان العُماني وإرادته في البناء، وعن الماء بوصفه أساسًا للتنمية، وعن المعرفة الهندسية التي مكّنت العُمانيين من تطويع تضاريس شديدة التعقيد لخدمة الإنسان والأرض.

ويطمح الفيلم كذلك إلى أن يكون نافذة ثقافية وسياحية للتعريف بعُمان وحضارتها، وإعادة تقديم هذا الإرث للأجيال الجديدة وللمشاهد خارج السلطنة؛ لتبقى الأسئلة التي أثارتها الجلسة مفتوحة أمام الباحثين:

كيف بُني هذا المشروع؟ وكيف امتد عبر هذه الجغرافيا الصعبة؟ وما الذي بقي منه حتى اليوم؟ وما الأسرار التي ما زال يخفيها مساره بين جبال الرستاق وسهول المصنعة؟

وهذه هي الرحلة التي يسعى فيلم «النهر العُماني» إلى كشفها؛ رحلة ماءٍ شقَّ الأرض، وهندسةٍ سبقت إمكانات عصرها، وإرادة عُمانية جعلت من قسوة الجغرافيا طريقًا للحياة والتنمية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img