“أولى المرايا وآخر الصُّور”.. قصائد حول أسئلة الوجود والبحث عن الذات

نشرت :

مصدر الخبر: الوكالة العمانية

في مجموعته الشعرية الصّادرة عن دار ضمّة للنشر والتوزيع، تحت عنوان "أولى المرايا وآخر الصُّور"، يجمع الشّاعر الجزائري، هارون عمري، بين دفّتي هذا المنجز الشّعري بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر بنزعة تجديدية.

وتدور قصائد هذا الديوان حول أسئلة الوجود والبحث عن الذات من خلال استعارة "المرآة" و"الصدى"، في أجواء صوفية وفلسفية، إذ تبرز في العمل لغة وجدانية عالية تتكئ على الرموز الصُّوفية (مثل النور، الفناء، الكشف، والوجد) لإعادة قراءة الواقع.

وتتّسم قصائد الديوان بالالتزام بالقضايا الإنسانية والوطنية مثل القصائد المهداة لغزة ("كونشيرتو تحت أنقاض الوجود")، وللذاكرة الثورية الجزائرية (استحضار رمزية العربي بن مهيدي وأحمد زبانة).

أمّا عن التنوُّع الإيقاعي، فتتميّز قصائد الديوان بالجمع بين متانة القصيدة العمودية الكلاسيكية، وانسيابية قصيدة النثر، والسطر الشعري الحديث. كما استخدم الشّاعر هارون عمري لغة شعرية مكثفة تعتمد على الصُّورة المبتكرة والاشتغال على الرمز التاريخي والديني وتوظيفه في سياقات معاصرة. ويعتني النصُّ الشّعري لدى هارون عمري بالتفاصيل الصغيرة والمنسية، ويُحوّل "الهوامش" إلى متن شعري يعكس انكسارات الإنسان المعاصر وأحلامه.

وتتنوّع الأشكال الشعرية، داخل هذه المجموعة، حيث يحضر السّطر الشعري الحديث، وقصيدة التفعيلة، إلى جانب قصائد النثر، التي تعتمد على التوزيع البصري. ويتخلّى النص، في بعض المواضع، عن القافية التقليدية، لصالح إيقاع داخلي، يتولد من تكرار المفردات، وتجاور التراكيب اللغوية.

كما يتمُّ توظيف الفراغ الطباعي، وعلامات الترقيم، كجزء من بنية القصيدة، ممّا يمنح المقطع، مساحة للتأمل، ويدعو القارئ، إلى استنطاق المعنى.

وتشكل أسئلة الذات، محورًا مركزيًا، في نصوص الديوان، حيث تتكرر ثيمة المرآة، كأداة للبحث عن الهوية، ومواجهة الانكسارات الداخلية.

وتطرح القصائد، إشكاليات العزلة، والاغتراب، والوقت، وتتأمل في علاقة الإنسان، بالطبيعة، والأشياء من حوله، بنزعة تقترب من التصوُّف، والتجلي.

ويبرز القلق الوجودي، من خلال كلمات، تستنطق الصّمت، وتتحدث عن الموت، والفناء، بأسلوب يبتعد عن العدمية، ليقترب من محاولة الفهم، والتفكيك.

وتتجاوز النصوص، الجغرافيا المحلية، لتعانق القضايا الإنسانية، والعربية، ويبرز ذلك جليًّا، في القصيدة المهداة لغزة، والتي تحمل عنوان، كونشيرتو تحت أنقاض الوجود.

ويتمُّ إدماج هذه الرموز، بشكل عضوي، بعيدًا عن الخطابية، حيث تتحوّل الشخصيات، والمآسي، إلى استعارات، تعكس هموم الإنسان المعاصر، ومعاناته المستمرة.

ويتكئ الأسلوب، على معجم لغوي، يجمع بين الرصانة الكلاسيكية، والمفردات اليومية، مما يخلق مفارقات دلالية، تثري النص، وتزيد من كثافته.

وتتكرر مفردات بعينها، مثل الماء، والسراب، والنور، والظل، لتشكل شبكة رمزية، تخدم الرؤية الصوفية، وتفتح باب التأويل، أمام المتلقي.

كما يتمُّ استغلال الطاقات المجازية، للغة العربية، لتوليد صور شعرية مركبة، تبتعد عن التقريرية، وتعتمد على الإيحاء، والانزياح الدلالي.

وتلعب الأماكن، دورًا بارزًا، في تشكيل المشهد الشعري، حيث تحضر أسماء مدن، وشوارع، ومقاه، مثل باتنة، والمغير، وتونس، كفضاءات، تحتضن الحالات الوجدانية.

وتتحوّل هذه الأماكن، من مجرد مواقع جغرافية، إلى فضاءات نفسية، تعكس حالة التيه، والبحث الدائم، وتتفاعل مع الأحداث الداخلية، للذات الشاعرة.

ويتمُّ رسم الصور الشعرية، بعناية فائقة، حيث تتداخل المشاهد البصرية، مع الإيقاع الصوتي، لخلق لوحات فنيّة، تعبّر عن تجربة متفرّدة، وانفعالات إنسانية، متعدّدة.

يقول الشّاعر هارون عمري في إحدى قصائد الديوان، وهي بعنوان

"كأيّ شيءْ" ..

على دُفّ السّمَاءِ

رَقَصتُ غَيمًا

وبي مِنْ جَذْبَة الأسمَاءِ مَاءُ

سَمِعتُ مُنَادِيَ العَطشَى بِصَوتِي

فَكُنْتُ الغَيثَ

مُذ كان النّدَاءُ

أربّي في دُمُوعِ الحُزنِ

شَيخًا لهُ أورادُ مَن ظَمَؤوا

فَجَاؤّوا

أطُوفُ بـ " كُنْ" طواف فراشةٍ آنست ضوءًا وعيناها الفَناءُ

لروحي الريح، أغنيةً سأمضي إلى جهة يلحّنها الهباءُ

كأنّي: لا كأنّي، كم شبيهٌ محاليَ بي، وما كذب الإناءُ

أنا شيءٌ كحناء الصبايا بليل العيد

خضّبني انتشاءُ

وبي مِنْ حكمة الأضداد أنّي

أجيد الضحك

لكنّي بكاء..

- Advertisement -

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img