ماجد المرهون
يُمثل جالون الوقود في الوجدان الجمعي للشعب الامريكي ايقونةً وجودية تختزل معنى الحرية والسيادة الفردية وليس وحدة قياس مجردة لمُشتقات النفط، إذ ترنو عين المواطن إلى تلك الأرقام المُتصاعدة في محطات الوقود كجهاز ضغط دمٍ ربط على عضده، فهو لا ينظر إلى تكلفة مادية نمطية فحسب بقدر ما تراقب عينه وروحه معًا ميزان الحلم الامريكي وهو يتذبذب صعودًا ويتأرجح بين تردد الثبات وحتمية الصعود الصاروخي، وكلما ازدادت سرعة الانطلاق ازدادت معها المخاطر وعلى رأسها احتمال الانفجار.
تأسست الفلسفة الامريكية مع رواد الحركة الفكرية المُتعالية منذ المعلم “رالف ايمرسون” إلى “ديفيد ثورو” ابو المقاومة السلمية -تأسست- على دوافع الاعتماد على الذات في ظل ضمان الحريات الفردية وعدم المُمانعة في التوسع، واجد ان جالون الوقود بالنسبة للامريكي المُعاصر يغذي هذه النزعة، فالسيارة تتجاوز مبدأ وسيلة للنقل الى امتداد للذات التي لا يجب ان يكبح حريتها شح الموارد او سوء ادارة الأزمات، لأن مفهوم الحرية لدى المواطن الامريكي يرتبط ارتباطًا شرطيًا بالحركية ولا يمكن التنازل عنه بسهولة؛ واذا كان “ديكارات” قد قال: أنا افكر إذن انا موجود. فإن الامريكي يُمارس حياته اليومية من خلال “أنا اتحرك إذن انا حر” لترتبط مع حركته وحريته كينونته ومعيشته.
في أدب الطريق كما جاء في رواية “جاك كيروك” يصبح الوقود هو تذكرة العبور نحو المجهول واكتشاف الذات قبل اعتباره وسيلة إلى الغاية، إلا أن القدرية السياسية تعقد بين استقرار سعر الجالون ومُعدل الرضى عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب كوجبة السمك والبطاطا في انجلترا، فيرى المواطن ان انخفاض سعر الوقود هو حقٌ طبيعي يكفله الدستور ضمنيًا تحت بند السعادة في توفير الخدمات مع ان الدستور المُتكيف لا يضع حدًا اعلى او سقفًا ثابتًا، ومن هنا تنشأ المُغالطة بين الظروف الطبيعية القاهرة وتلك العبثية التي تفتعلها السياسية، وكلما ارتفع معها سعر الوقود اهتزت الثقة في الدولة طرديًا حسب الارتفاع لأن العين الثاقبة المُركزة على الجالون هي المراقب السيادي بحيث يتحول تصاعد الأرقام في العداد إلى ترمومتر حساس لكفاءةِ السُلطات.
صحيح ان دافع الضرائب الامريكي في ازمات النفط السابقة شعر بالفقر غير المُعتاد وهو انعكاس مادي طبيعي، ولكنه في نفس الوقت شعر بإستلاب حقه وذلك انعكاس معنوي خطير يؤدي إلى الخوف من فقدان السيطرةِ على مصيره الشخصي امام قوى جيوسياسية ظاهرة وخفية وغالبًا ما تعمد الى تمويه الحقائق وهذا يضعه في حالة من الشك بكل ادارة لبلاده، حتى اذا تحولت الحملات الانتخابية الى نوع من الترويج لأسعار الوقود لحث الناخبين على صناديق الاقتراع فإنها ما تلبث ان تتحول الى دعاية مكشوفة مثل سابقاتها، وهكذا تنتفخ الفقاعة الى ان يقول الناخب في مرحلة من مراحل تضخمها بعد ان يستشعر الضيق والملل: كفى يعني كفى. ويبدو ان المرحلة حانت.
بين إرث راعي البقر “الكاوبوي” العنيد ونداء البيئة العالمي تتجلى ازدواجية فلسفية في رمز القوة، إذ يُعبِّر الوقود عن شهوة الاستهلاك المُضادة لصحوة الضمير، ويدرك الامريكي ان كل جالون يُحرقه هو جزء من مساهمته في استنزاف الطبيعة لكنه لا يستطيع التخلي عن نمط حياته الذي بُني خلال قرن كاملٍ ونيِّف من التخطيط القائم على الحركة بين المسافات الطويلة والمساحات الشاسعة، وبالتالي يتراجع مستوى التضحية من اجل المجموع والاستدامة في وجه القيم النفعية المؤصلة لمنفعة الفرد المؤقته.
أخيرًا، يبقى جالون الوقود في امريكا متجاوزًا لمفهوم السائل القابل للاشتعال ويصل الى مرحلةٍ اشبه بوحدة قياسٍ للكرامة الفردية، وقد تسجنهُ الأسعار في حيز جغرافي لا يرحم العاجز عن الحركة، وستبقى تلك الارقام في محطات الوقود هي النص الأكثر قراءةً وتأثيرًا في النفسية الامريكية وتعكس مدى صدق الحكومة وكذبها وتحدد لهم المدى الذي يُمكنهم الذهاب إليه اليوم.


