المسرح كمرآة مكسورة: ورقة نقدية في عروض مهرجان المسرح الجامعي الثامن بنزوى

نشرت :

بقلم : أحمد معروف اليافعي

شكّل مهرجان المسرح الجامعي الثامن، الذي استضافته جامعة التقنية والعلوم التطبيقية في نزوى خلال الفترة من 19 إلى 23 أبريل 2026، مساحة فنية مهمة لعرض تجارب مسرحية شابة، تتأرجح بين الطموح الفني وحدود الإمكانات. وقد كشفت هذه العروض، في مجملها، عن واقع مسرحي يعكس حالة من التشكل، حيث تتجاور محاولات النضج مع مظاهر التردد والتكرار، ليبدو المسرح هنا كمرآة مكسورة تعكس أجزاءً من الإبداع دون أن تكتمل صورتها.

أولًا: الرؤية النصية بين الرمز والطرح المباشر
جاءت النصوص المقدّمة في المهرجان محمّلة بهواجس إنسانية واجتماعية، اتخذت من الرمز أداة للتعبير، كما في عرض “الأبواب السبعة من العتمة إلى النور” للكاتب عباس أحمد الحايك، حيث تتجسد ثنائية الظلام والنور بوصفها رحلة وجودية. وفي “غيوب الأحيمر” للكاتب نائل أحمد الجرابعة، يحضر الاشتغال على الموروث الشعبي ضمن قالب درامي يمزج بين الواقعي والرمزي.

أما في “حذاء ليلة الزفاف” للكاتب سعيد السعدي، فيبرز الرمز بوصفه أداة نقد اجتماعي، حيث يتحول “الحذاء” إلى دلالة على الكرامة والطبقية. في حين يميل نص “الذين يضحكون من الداخل” للكاتب عبدالله تبوك إلى الطابع الذهني والعبثي، معتمدًا على تفكيك الشخصية وتحويلها إلى كيان رمزي يعكس القلق الوجودي.

ورغم هذا التنوع، فإن بعض النصوص وقعت في المباشرة أو التكرار الرمزي، ما أضعف من تأثيرها الدرامي، وجعلها بحاجة إلى تكثيف أكبر واشتغال أعمق على البناء الداخلي.

ثانيًا: الإخراج بين التنفيذ والابتكار
كشفت العروض عن تباين واضح في الرؤى الإخراجية، حيث اتجه بعضها إلى الالتزام الحرفي بالنص، كما في عرض نزوى، ما حدّ من إمكانيات الابتكار البصري وأوقع العمل في رتابة نسبية. في المقابل، حاول عرض صلالة تقديم معالجة بصرية ثرية، إلا أن الإفراط في استخدام الديكور أثقل الفضاء المسرحي وأفقده مرونته.

ويُحسب لعرض الرستاق نجاحه في تقديم رؤية إخراجية أكثر نضجًا، من خلال تفكيك النص وإعادة بنائه بصريًا عبر حركة الديكور والممثلين، ما أتاح خلق فرجة متماسكة. أما عرض صحار، فعلى الرغم من قوة الأداء التمثيلي، إلا أن الإخراج لم يتمكن من بلورة رؤية واضحة تواكب عمق النص، فبدا أقل إحكامًا من الناحية البصرية والفكرية.

يمكن القول إن الإشكالية الأبرز تمثلت في غلبة الطابع التنفيذي على بعض التجارب، مقابل محاولات محدودة للابتكار، ما يعكس حاجة ملحّة إلى تطوير أدوات المخرج في قراءة النص وتحويله إلى لغة مسرحية متكاملة.

ثالثًا: الأداء التمثيلي وتحديات التشكيل
اتسم الأداء التمثيلي في مجمل العروض بالتفاوت، حيث برزت محاولات جادة لتجسيد الشخصيات، إلا أن بعض الممثلين لم يتمكنوا من بناء عمق نفسي مقنع، أو الحفاظ على استمرارية الأداء. في المقابل، شهدت بعض العروض لحظات أداء لافتة، خصوصًا في عرض صحار، حيث استطاع الممثلون التعبير عن حالات القلق والتشظي بوعي أدائي ملحوظ.

هذا التفاوت يعكس طبيعة التجربة الجامعية، التي لا تزال في طور التشكّل، وتحتاج إلى مزيد من التدريب والاشتغال على أدوات الممثل، خاصة في ما يتعلق ببناء الشخصية والتحكم في الإيقاع الداخلي.

رابعًا: العناصر الفنية بين الجمال والوظيفة
تنوعت العناصر الفنية بين الإضاءة والديكور والموسيقى، وشكّلت في بعض الأحيان إضافة جمالية مهمة، كما في توظيف الموسيقى التراثية في عرض صلالة، أو حركة الديكور في عرض الرستاق. غير أن بعض هذه العناصر جاءت على حساب الوظيفة الدرامية، خاصة حين تحولت إلى عبء بصري يحدّ من حركة الممثل أو يشتت انتباه المتلقي.

ومن هنا، تبرز أهمية تحقيق التوازن بين البعد الجمالي والوظيفي، بحيث تخدم العناصر الفنية الفكرة العامة للعرض، لا أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها.

خاتمة: نحو مسرح أكثر اكتمالًا
تكشف هذه العروض عن طاقات شبابية واعدة، تسعى إلى إثبات حضورها في المشهد المسرحي، رغم ما يعتريها من هنات فنية. فالمسرح الجامعي، بطبيعته، مساحة للتجريب والتعلم، وليس منصة للنتائج النهائية.

إن “المرآة المكسورة” التي تعكسها هذه التجارب ليست علامة نقص بقدر ما هي مؤشر على مرحلة التكوين؛ مرحلة تتطلب مزيدًا من الوعي النقدي، والعمل الجماعي، والانفتاح على التجارب المختلفة.
وبين الطموح والإنجاز، يظل المسرح فعلًا مستمرًا في التشكل، يسعى دومًا إلى إعادة تركيب صورته… حتى تكتمل.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img