الاقتصاد يبدأ من الفانيلة والوزار… وليس من البورصة!

نشرت :

عبدالله بن محمد العبري

باحث في الاقتصاد السلوكي

يقولون إن الاقتصاد يُقاس بالناتج المحلي، والتضخم، وأسعار الفائدة، وحركة الأسواق المالية. لكن في كل بيت عُماني يوجد خبير اقتصادي لا يحمل دكتوراه ولا يعمل في بنك مركزي. يكفي أن يرى الفانيلة أو الوزار حتى يعلن، بكل ثقة: “الوضع يحتاج شد الحزام.”

في الغرب لديهم ما يُعرف بـ”مؤشر الملابس الداخلية الرجالية”، وهو مؤشر غير رسمي يقول إن الرجال عندما يشعرون بالضيق المالي يؤجلون شراء الملابس الداخلية لأنها لا يراها أحد. أما في سلطنة عُمان، فنحن لا نحتاج إلى هذا المؤشر. لدينا نسخة أكثر تطورًا… اسمها “مؤشر الفانيلة والوزار”.

إذا دخلت بيتًا ورأيت صاحب المنزل يرتدي فانيلة متشرخة وتجاوزت مرحلة الاصفرار إلى لون لا تستطيع حتى شركات الدهانات تصنيفه، فاعلم أن هذه ليست مشكلة غسيل. هذه رسالة اقتصادية مشفرة.

أما الوزار، فهو قصة نجاح لا تعرف التقاعد. يبدأ وزارًا للمناسبات، ثم يصبح وزارًا للبيت، ثم للحوش، ثم لغسل السيارة، ثم يتحول إلى قطعة قماش تمسح بها الطاولة أو زجاج السيارة. وفي النهاية، لا يُرمى… بل يُحال إلى “التقاعد مع الاستفادة من الخبرات”.

المضحك أن الرجل قد يقود سيارة فاخرة، وساعته أغلى من راتب موظف مبتدئ، وعطره يسبق دخوله المجلس، لكن الفانيلة التي تحت الدشداشة تخوض معركة بقاء منذ سنوات. لماذا؟ لأن أحدًا لا يراها.

وهنا يدخل الاقتصاد السلوكي على الخط.

العقل لا يتخذ قراراته بالحسابات فقط، بل بما يراه الآخرون أيضًا. إذا كانت الدشداشة سيلاحظها الناس، فسيحرص على أن تكون جديدة. أما الفانيلة فلا تمنحه أي مكانة اجتماعية، ولذلك تصبح أول ضحية عندما يبدأ التقشف. الاقتصاد السلوكي يسمي هذا الإنفاق من أجل الإشارة الاجتماعية؛ فنحن لا نشتري كل الأشياء بالقيمة نفسها، بل بحسب من سيرى هذا الشراء.

ثم يأتي مبدأ آخر اسمه تجنب الخسارة. عندما يشعر الإنسان بعدم اليقين، فإنه لا يقول: “لن أشتري شيئًا.” بل يقول: “أؤجل شراء الأشياء التي يمكنها أن تصمد شهرًا إضافيًا.” المشكلة أن هذا “الشهر الإضافي” في الثقافة قد يمتد إلى سنة أو سنتين، وربما حتى تنادي الفانيلة بنفسها: “تكفى… خلوني أرتاح.”

ولو كانت الفانيلة تتحدث، لقالت لصاحبها: “أنا خدمتك في الصيف والشتاء، حضرت معك الأعراس والعزاء، وسافرت معك أكثر من جواز سفرك… ألا أستحق نهاية كريمة؟” فيرد عليها بكل هدوء: “بعدك زينة… بس لا تطلعين إذا عندنا ضيوف.”

وهنا يظهر مبدأ اقتصادي سلوكي آخر يسمى تحيز الوضع القائم. الإنسان بطبيعته يميل إلى الإبقاء على ما اعتاد عليه، حتى لو كان استبداله أفضل. لذلك يصبح قرار شراء فانيلة جديدة أصعب من قرار شراء هاتف جديد أحيانًا، لأن العقل يقول: “طالما القديمة تؤدي الغرض… لماذا أغيّرها؟”

ولا يقتصر الأمر على الفانيلة. انظر إلى طريقة تسوق كثير من الأسر عندما ترتفع الأسعار. ستجد أن قائمة المشتريات لا تختفي، لكنها تتغير بهدوء. يتم تأجيل بعض الأشياء، وتقليل الكميات، والبحث عن العروض، والانتقال إلى بدائل أرخص. هذا ما يسميه الاقتصاد السلوكي التكيف التدريجي؛ فنادرًا ما يشعر الناس أنهم غيّروا نمط حياتهم فجأة، بل يحدث التغيير خطوة بعد أخرى حتى يصبح هو الوضع الطبيعي.

حتى في الأسواق يمكن ملاحظة المؤشر. إذا دخل الزبون وسأل: “بكم الوزار؟” فهذه عملية شراء عادية. أما إذا قال: “هذا يعيش كم سنة؟” فاعلم أنه لا يبحث عن وزار، بل عن أصل استثماري طويل الأجل. وإذا سأل: “إذا أخذت اثنين… تعطيني خصم؟” فهذه ليست مساومة، بل سياسة مالية أسرية لمواجهة التضخم.

المفارقة أن الفانيلة والوزار لا يكشفان حجم الراتب، بل يكشفان شعور صاحبه بالأمان. قد يكون دخله مرتفعًا، لكنه متخوف من المستقبل، فيؤجل الشراء. وقد يكون دخله متوسطًا لكنه مطمئن، فيشتري دون تردد. لذلك يهتم الاقتصاد السلوكي بالمشاعر والتوقعات بقدر اهتمامه بالأرقام، لأن الناس لا يتصرفون وفق ما يملكون فقط، بل وفق ما يعتقدون أنهم سيملكون غدًا.

وفي النهاية، ربما لا يكون مؤشر الفانيلة والوزار نظرية اقتصادية معترفًا بها في الجامعات، لكنه يذكرنا بحقيقة بسيطة: الاقتصاد لا يعيش في التقارير الرسمية وحدها، بل يسكن البيوت، ويتجول في المجالس، ويختبئ أحيانًا تحت الدشداشة.

لذلك… إذا رأيت صديقك يشتري سيارة جديدة، فلا تستعجل بالحكم على وضعه المالي. اسأله أولًا، وبكل براءة: “بصراحة… متى آخر مرة اشتريت فانيلة أو وزار؟”

فقد تكون الإجابة أدق من كثير من التقارير الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img