كتب دكتور : إسماعيل جابر
أكاديمي . مستشار التعليم والتدريب . كاتب صحفي
هل يمكن أن تتحول خطوات المشي البسيطة في جبال ظفار وسهولها وسواحلها الجميلة إلى ثقافة مجتمعية ومشروع سياحي يمتد طوال العام؟ هذا السؤال لا يتعلق بالرياضة فقط، بل يرتبط بطريقة نظرنا إلى المكان وكيفية استثمار مقوماته الطبيعية في بناء مجتمع أكثر صحة وحيوية .
تجارب بعض المحافظات العُمانية تشير إلى أن رياضة المشي والمسير يمكن أن تتجاوز كونها نشاطًا فرديًا لتصبح جزءًا من ثقافة المجتمع. ففي محافظة الداخلية، على سبيل المثال، أصبحت المسيرات الرياضية مشهدًا مألوفًا يشارك فيه أفراد المجتمع بمختلف فئاته، وهو ما يعكس قدرة الرياضة على صناعة التواصل وتعزيز العلاقة بين الإنسان وبيئته. وقد عشت جانبًا من هذه التجربة عندما كنت معلمًا للدراسات الاجتماعية في مدرسة نور الدين السالمي بولاية تنوف ، حيث شاركت مع زملائي معلمي المدرسة في أحد المسيرات، ولاحظت كيف يمكن لنشاط بسيط أن يجمع بين الصحة والتفاعل الاجتماعي ومتعة اكتشاف المكان .
وعندما ننظر إلى محافظة ظفار، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا؛ فهذه المحافظة لا تمتلك جمال الطبيعة فحسب، بل تمتلك تنوعًا جغرافيًا يجعلها بيئة مناسبة لتجارب متعددة في المشي والمسارات الطبيعية. فالجبال والأودية والسهول والسواحل تشكل لوحة مفتوحة يمكن أن تستثمر في تعزيز السياحة الداخلية، خاصة أن ظفار لا تختزل في موسم الخريف وحده، بل تحمل مقومات قادرة على جذب الزوار في أوقات مختلفة من العام .
إن المسير ليس مجرد ممارسة رياضية للحفاظ على اللياقة البدنية، بل يمكن أن يكون أسلوب حياة له آثار صحية ونفسية واجتماعية. فهو يمنح الإنسان فرصة للتواصل مع الطبيعة، ويعزز ثقافة الحركة والنشاط، ويقوي الروابط بين أفراد المجتمع.
كما أن تطوير مسارات المشي الطبيعية يمكن أن يفتح مجالًا جديدًا أمام السياحة النوعية التي تبحث عن التجارب الهادئة المرتبطة بالبيئة والثقافة المحلية .
ومن هنا يمكن التفكير في مبادرة متكاملة لمسارات المشي في ظفار، بالتعاون بين الجهات المعنية بالثقافة والرياضة والسياحة والبلديات، تبدأ بتحديد المواقع المناسبة والآمنة، وتهيئتها بما يتناسب مع احتياجات الأسر والشباب والزوار، من خلال اللوحات الإرشادية، ومناطق الاستراحة، والخدمات الأساسية، مع مراعاة المحافظة على الطبيعة والهوية البيئية للمكان .
كما يمكن أن تتحول هذه المسارات إلى فعاليات دورية تحمل أسماء المناطق التي تنطلق منها، وتشارك فيها المدارس والجامعات والفرق الرياضية والجمعيات الأهلية، لتصبح الرياضة وسيلة للتعريف بجمال ظفار، وتعزيز الانتماء للمكان، وتنشيط السياحة خارج الموسم التقليدي.
إن ظفار بحاجة إلى أن تُقرأ بعين أوسع من حدود الخريف؛ فهي ليست موسمًا سياحيًا عابرًا، بل مساحة إنسانية وطبيعية قادرة على تقديم الكثير طوال العام. وربما تكون ثقافة المسير خطوة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات أكبر؛ فهي دعوة لصحة أفضل، وسياحة أكثر تنوعًا، وعلاقة أكثر قربًا بين الإنسان والمكان. فبعض التحولات الكبيرة تبدأ دائمًا بخطوة صغيرة.
:فهل تكون خطوات المسير الأولى على جبال ظفار وسهولها بداية لثقافة جديدة تجعل من المحافظة وجهة حية طوال العام، لا ترتبط بموسم واحد، بل برؤية تنموية مستدامة؟


