مصدر الخبر: الوكالة العمانية
تكمن جمالية لعبة الشطرنج في كونها واقع ذهني يواكب صراع العقول في حيز مكاني محدد، فهي أكبر من مجرد كونها رقعة وقطع معينة، الراصد لحقيقتها يدرك جماليات تناغم ماهيتها والتي عادة ما تكون بين البساطة والتعقيد. كما إنها صورة لشخصية اللاعب الذي وجد نفسه في سياق "الصبر" والتأمل والنظر إلى ما هو أبعد من حيز مكانها، ولهذا يصفها اللاعب العُماني حمود بن محمد البوسعيدي بقوله "لعبة الشطرنج بالنسبة لي عالمٌ لا ينتهي"، ليعبر عن شغفه الدؤوب والمُتواصل بهذه اللعبة، حيثُ بدأت مسيرته مُنذ عامه العاشر بعد شعوره بالمُتعة الكبيرة في تحريك قطعها ومحاولة فهم ما يُفكّر به خصمه وما يُمكن أن يحدث في الخطوات القادمة.
تكلّلت مسيرة حمود البوسعيدي بجُملة من النجاحات والإنجازات في لعبة الشطرنج، حيثُ استطاع الالتحاق بمُنتخب الناشئين بعد سنتين فقط من بداية مشواره في هذه اللعبة، وحصل خلالها على لقب بطل عُمان تحت 18 سنة، ثم بعد سنتين، عندما أصبح في سن الـ 14، استطاع الالتحاق بمُنتخب عُمان لفئة العموم.
كما حصد على العديد من الإنجازات المحليّة والدوليّة والخليجيّة، أبرزها حصوله على لقب بطل بطولة عُمان لفئة العموم لعام 2025، ولقب بطل بطولة بيكا الدوليّة للشطرنج تحت 16 سنة في تونس عام 2021، ويُعد هذا اللقب الأول تاريخيًّا لسلطنة عُمان في تحقيق لقب دوليّ في لعبة الشطرنج، كما حصل على الميدالية البرونزيّة في بطولة الخليج للشطرنج السريع للرجال 2021، والعديد من البطولات المحليّة الأخرى.
يصف حمود بداياته مُنذ اللّحظة الأولى التي شعر فيها أنّ لعبة الشطرنج أصبحت لُغة يعبّر بها عن نفسه وقال: "لم تكن الشطرنج بالنسبة لي مُجرد لعبة عابرة، بل كانت منذ صغري مساحة للتفكير والتحدي، بدأت علاقتي بها في سن مُبكرة ومُنذ أن التحقت بأول مُشاركة لي تحوّلت هذه المُتعة إلى شغف حقيقيّ، وها أنا الآن أُكمل 11 عامًا من هذه الرحلة".
وأضاف: في الحقيقة، أنا لا زلت أتعلّم، وأعتبر نفسي لاعبًا مبتدئًا يُحاول التغلّب على كل شيء جديد في لعبة الشطرنج، أرى نفسي لاعب شطرنج لا أكثر ولا أقل".
وعن تأثير الشطرنج على البوسعيدي في بداية مشواره يقول: "السنوات الأولى من مُمارستي للعبة الشطرنج أثرت كثيرًا في طريقة تفكيري وكيفيّة تحليلي للأمور من كل زاوية، وأصبح لديّ بُعد نظر في مُجريات الأحداث".
وبيّن: "ساعدتني هذه اللعبة في اكتساب بعضًا من المهارات الذهنيّة وعملت على نقلها بوعي إلى واقع حياته، فهي تدرّب العقل من خلال التفكير في أكثر من خطّة، وتُساعد على التخطيط السليم، ووضع البدائل، وتعلّم اللاعب الصبر في مُواجهة الخصم وفهم عقليّته وطريقة تفكيره، ومن أجمل المهارات الذهنيّة التي اكتسبتها من هذه اللعبة وقمت بترجمتها في حياتي اليوميّة هيّ الصبر، والتضحيّة، وعدم التسرّع، ولأن أجواء هذه اللعبة تكون بهدوء تام وتفكير عميق، فقد أصبحتُ من محبي الهدوء وقد انعكس ذلك على واقعي، وعند اتخاذ القرارات أصبحت أكثر عقلانيّة".
أمّا في اللعب وأثناء مُواجهة الخصم، يُوّضح حمود قدرة هذه اللعبة في تعليمه على قراءة خصمه من خلال مُتابعته لتحركاته ونقلاته وطريقته في اللعب، وفهم كيفيّة تفكيره إن كان لاعب دفاعيّ أم هجوميّ أم يميل إلى المُخاطرة، كما يُبيّن البوسعيدي أنّ لاعب الشطرنج يعتمد على الحسابات بعد التخطيط أو تحليل عدد من النقلات المُتوقعة القادمة، وكيفيّة التعامل معها أو مُواجهتها من قبل الخصم.
وأشار إلى أن لعبة الشطرنج تُسهم في صقل الشخصيّة، إذ تجعل الشخص قياديًّا ويتمتّع بكاريزما مُختلفة، ويفكّر خارج الصندوق، ويرى بعض الأمور في سيناريوهات أبعد، وكأنه يتخيّل الرقعة بها عدة نقلات مصيريّة، ورغم ذلك، مهما كان الخصم، تبقى بيننا الإنسانيّة والود والثقافة؛ لذلك يبقى السلام بيني وبين خصمي في بداية اللعبة ونهايتها، ورسالتي لكل من يلامس قطع الشطرنج أن يفكّر خارج الصندوق، وأن يحترم الخصم في جميع الأحوال.
ويكشف البوسعيدي في حديثه عن السر وراء هذا التطوّر المُذهل في أدائه ونجاحاته المُتواصلة، ويقول: "لا توجد خلطة نجاح معيّنة، ولكن أحمد الله وأشكره على ما وصلت إليه من مستويات طيّبة، استطعتُ أن أُمثّل سلطنة عُمان خير تمثيل، وأن أُحقّق لقبًا تاريخيًّا يُعد الأوّل دوليًّا، أمّا بالنسبة للتطوّر في اللعبة، فتكمن في كثرة الممارسة، والمشاركات، والتواصل مع لاعبين كبار لهم باع طويل فيها، ومن الطبيعي، خصوصًا في الجولات التي قد أخسر فيها أو أتعادل، وبعد تحليل النقلات، تُصبح كل الأخطاء دروسًا لي في الجولات القادمة.
وعن شغفه واستمراره يقول: "يجذبني الفضول والغموض في هذه الرقعة، واكتشاف كل شيء جديد فيها، ولا ننسى لذة الفوز، كما أتذكر تلك اللحظة التي شعرت فيها أنّ الشطرنج أصبح مسارًا مُهمًّا في حياتي، وذلك عند تحقيقي لقب بطل بيكا الدوليّة للشطرنج، حينها أثبّت قدرتي على الانتصار في بطولة صعبة، وكان هذا الإنجاز بمثابة وسام فخر ودافع قويّ لمُواصلة مسيرتي الشطرنجيّة".
وقال أيضًا: لا شّك أنّ لاعب الشطرنج يشعُر بروح الشطرنج وبيانه، ويتلمّس التناغم الروحيّ والجمال الفنيّ في تشابك القطع على الرقعة، ويرى أنّ بلاغة المناورة في الشطرنج تعكس رقيّ فكر اللاعب وقدرته على الإبداع بصمت.
وأوضح: بدون أدنى شك، مناورة الشطرنج تعكس مدى القدرات العقليّة والفكريّة للاعب، لأن لعبة الشطرنج هي لعبة عقول، وبفكرة مُختلفة أو نقلة خارج الصندوق يمكن أن تحقق الفوز.
وفي ظل التحوّلات التقنيّة الحديثة، وبدلاً من النظر للذكاء الاصطناعي كمُنافس، استطاع البوسعيدي استثمار هذه الأدوات الحديثة لتكون "صديقاً ذكيًّا" تساعده على كشف آفاق جديدة في اللعبة لم تكن واضحة من قبل، وهذا ما زاد من حماسه لابتكار أساليب لعب فريدة.
ويبيّن: هناك تناغم كبير بين العقل البشريّ والتقنيّ، ولكن يبقى العقل البشريّ هو من يفكّر ويُبدع ويتميّز، شخصيًّا أستخدم العديد من البرامج الخاصة بالشطرنج، حيث ألعب وأتحدى لاعبين إلكترونيًّا، مما عزّز قدرتي على الاستمرار، كما أستمتع بحضور المحاضرات والدورات المرتبطة بهذه اللعبة.
وفيما يتعلّق بوجود لعبة الشطرنج في المشهد العُماني العام، يتحدّث البوسعيدي: حضور لعبة الشطرنج في سلطنة عُمان تطوّر بشكل كبير، وأصبح هناك اهتمام واسع من مُختلف شرائح المُجتمع ونطمح بزيادة الدعم في هذا السياق، واستمرار البطولات على نطاق أوسع.
وأشار: لكي يصل اللاعب العُماني إلى مستويات عالميّة، فإنه يحتاج إلى الدعم، وإقامة المُعسكرات التدريبيّة، والمُشاركة في أغلب البطولات الخليجيّة والآسيويّة والعالميّة، ونتمنى إدخال هذه اللعبة ضمن المقررات التعليمية لاحقًا، لما لها من أهميّة في تنشيط العقل وتعزيز مهارات التخطيط السليم. كما يصف البوسعيدي شعوره وهو يمثل سلطنة عُمان في المحافل التي تجمع أذكى عقول العالم: يجتاحني شعور بالمسؤوليّة والتكليف قبل أن يكون فخرًا، فنحن ملزمون برفع راية بلادنا وتحقيق أعلى المراتب.


