الشرق الأوسط الجديد.. بين الحرب والمفاوضات

نشرت :

بقلم: عــوض العُـجـيـلي


27 يونيو 2026

سيذهب الجميع في الخليج لقضاء الصيف، على اعتبار أن المشهد الأمني والسياسي يسير بشكل صحيح، وأن الأزمة انتهت.

الأمريكيون خرجوا من العملية بتحقيق جزء من أحلامهم، وليس كلها.

الآن هم يعتبرون أن استكمال مشروع الشرق الأوسط الجديد أصبح ممكنًا، خصوصًا بعد أن أضعفوا قدرة إيران وحولوها إلى دولة منهكة ومهشمة. ولكن الواقع يقول إن المدرسة الإيرانية لقنت الأمريكيين درسًا، وأفهمت العالم أن ما حدث لرئيس فنزويلا، الذي تم اختطافه من قصره مع عائلته ووضعه تحت الإقامة الجبرية في واشنطن، لا يمكن تكراره في المشهد الإيراني.

خطة ترامب عاكست الأيديولوجية الأمريكية، التي تعتمد على خطف انتصار سريع والعودة إلى طاولة المفاوضات، ولكنه فوجئ بأن دول الخليج كانت حذرة ورفضت الانجراف إلى حرب مفتوحة مع إيران، رغم أنها قادرة على ذلك.

ولكن، بحكمة زعماء المنطقة، فقد تماسكوا وآمنوا بفرصة إيران العادلة في الدفاع عن نفسها؛ لأنهم يعلمون أنهم مكبلون باتفاقيات مع أمريكا تمكن الأمريكيين من استخدام قواعدهم في أي حرب. وقد كان هذا واضحًا عندما تم غزو العراق وإسقاط بغداد، وبقية الضربات والحروب الخاطفة هنا وهناك.

الموقف العُماني والموقف الإماراتي كانا موقفين شجاعين؛ فالأولى رفضت الخطاب التصعيدي واستنكرته عبر وزير خارجيتها بشكل علني، وبقي ذلك الخطاب وحيدًا، فلم تجرؤ أي دولة عربية على التعبير عن رفضها لتصرفات أمريكا وإسرائيل، بما في ذلك الدول العربية الكبرى.

أما الثانية (الإمارات)، فقد كانت شجاعة كذلك، وهي الدولة الأقرب حدودًا إلى الجغرافيا الإيرانية، وربما كانت الوحيدة في ذلك، وقد ردت على الضربات الإيرانية بضربات مماثلة داخل إيران. وهنا يتضح أن الاتفاقات الخليجية لم تكن متوازنة تجاه التصعيد مع إيران، وهاتان الدولتان مؤهلتان للعب أدوار سياسية كبرى في المنطقة.

العنصر المفاجئ في المفاوضات الأمريكية الإيرانية هو أن إيران استطاعت أن تعلن نفسها دولة عظمى، وتسحب أمريكا إلى طاولة المفاوضات، وهذا بحد ذاته كسر للغرور والهيمنة الأمريكية.

توجد في هذه الأثناء دول تدخلت وتركت قوات داخل أراضيها تغير على دول خليجية، والعراق أنموذجًا.

وهنا رسالة بأن دول الخليج ليست في مأمن من وجود ميليشيات تعمل وفق المذهب، وتتلقى أوامر من خارج الدولة العراقية، هذا إذا أردنا أن نحسن الظن بإخوتنا العراقيين.

ولكن العرب جميعًا يعلمون أن العراق اليوم ليس دولة ذات سيادة كاملة على أراضيها، وهي تسمح ببيع موانئها لدول الجوار، وتفتح الحدود دون تأشيرة للقادمين من إيران بأسلحتهم تحت غطاء حماية الأضرحة، وحماية المكون للبقاء في السلطة، وغيرها من الأمور الدينية.

لبنان كذلك بقي صامدًا بصمود عنصر المقاومة في جنوب لبنان، ولكن المشهد اللبناني مختلف عن الموقف في العراق، لكون لبنان دولة ضعيفة ولا تقوى على ممارسة أكثر من أيديولوجية داخل نظام واحد. وبالتالي، فإن بقاء الجمهورية اللبنانية تحت وصاية حزب الله هو السيناريو الأفضل، على اعتبار أن حزب الله مؤسسة عسكرية وسياسية في آنٍ واحد، وقادرة على الدفاع عن الأرض أكثر من الدولة اللبنانية.

ومما يثير الريبة الآن: هل تستطيع خطة كونداليزا رايس استكمال التنفيذ لمشروع الشرق الأوسط الجديد؟

مع وجود مؤسسات استطاعت أن تعبر عن موقفها، وهي: الإمارات، وحزب الله، وسلطنة عُمان، والقوى والميليشيات في العراق، وجمهورية إيران.

ولا ننسى سوريا، الدولة القادمة إلى المشهد الدولي، والتي استطاع رئيسها تجنيبها ويلات الدخول في صراعات المنطقة، مع بقاء السيادة السورية على وضعها، وقد نشهد سوريا عظيمة بعظمة شعبها الجبار.

وهل لهذه القوى والدول أن تجلس على طاولة مفاوضات لبحث مستقبلها ومستقبل المنطقة، وترك الخصومات والاختلافات، لبدء مرحلة جديدة من النفوذ والقوة؟

وإلغاء المنظمات الفاشلة كجامعة الدول العربية، وإلغاء مجلس التعاون الخليجي كجهاز سياسي.

واستبداله بمجلس تعاون عربي، يتم فيه ضم الحوثيين لتمثيل اليمن، وضم السودان والعراق، وبالطبع جمهورية إيران ولبنان والجمهورية السورية الفتية، لنحصل على نموذج من التعايش السلمي، وندخل إلى إيران واليمن وسوريا دون تأشيرات، ويدخل الإيرانيون إلى بلدان الخليج، وكذلك اليمنيون واللبنانيون والسوريون، دون تأشيرات.

وتكون صفحة تاريخية جديدة، دون الخوض في المسائل العقدية والأيديولوجية.

هذه الفكرة، إذا كانت ستتحقق، فهي في يد سلطنة عُمان وقطر للتنسيق مع جميع الأطراف، وإذا استدعى الأمر إشراك تركيا في المعادلة، ليصبح ذلك نواة قابلة للتطوير، شبيهة بالاتحاد الأوروبي، الذي يمثل الاتفاقيات والالتزامات والعمل وفق مشروع جديد يقوم على استدامة السلام بين هذه الدول، والحفاظ على سيادتها. وإذا تعذر عليها ذلك بسبب وجود قاعدة إنجرليك الأمريكية وتعهداتها لأمريكا، فلا بأس أن تكون شريكًا استراتيجيًا، وليس أمنيًا.

هل بالإمكان تحقيق ذلك إذا اعتبرنا أن إنشاء الأمم المتحدة كان عبر محطات ومؤتمرات استمرت لعدة سنوات، بدءًا من مؤتمر موسكو، ثم مؤتمر طهران، حتى انتهى الأمر في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 بإعلان ميثاق الأمم المتحدة، بمشاركة خمسين دولة؟ هل يمكن ذلك؟

صفحة فيسبوك


في: 27 يونيو 2026

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img