الجيل الذي سيقود 2040 .. أي إنسان نُعدّ للمستقبل؟

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي

ليست التحولات الكبرى التي تصنع التاريخ هي تلك التي تغيّر خرائط الجغرافيا فحسب، بل تلك التي تعيد تشكيل صورة الإنسان نفسه.

فعندما انتقل العالم من الزراعة إلى الصناعة، تغيّرت طبيعة المجتمعات، وحين دخل عصر المعرفة تبدلت معايير القوة والثروة، أما اليوم فإن البشرية تقف أمام منعطف حضاري جديد تقوده الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، لا يعيد تعريف الاقتصاد وسوق العمل فقط، بل يعيد طرح السؤال الأقدم والأكثر أهمية في مسيرة الحضارات:

أي إنسان نحتاج للمستقبل؟

ففي الأزمنة الماضية كانت الأمم تتنافس على الأرض والموارد والأسواق، أما اليوم فإن التنافس الحقيقي يدور حول العقول والقدرة على إنتاج المعرفة وصناعة القيمة. ولم يعد مستقبل الدول مرهونًا بما تملكه من ثروات طبيعية، بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرتها على بناء الإنسان القادر على تحويل تلك الثروات إلى فرص، والتحديات إلى إنجازات، والمتغيرات إلى مسارات جديدة للنمو والتقدم.

ومن هنا يصبح الحديث عن الجيل الذي سيقود عُمان 2040 حديثًا يتجاوز التعليم والوظائف والمهارات، ليصل إلى سؤال أكثر عمقًا يرتبط بمستقبل الدولة ذاتها:

أي إنسان نُعدّ للمستقبل؟

فالدول لا تعبر إلى المستقبل بموازناتها فقط، ولا بمشروعاتها الكبرى فقط، وإنما بالإنسان القادر على إدارة الموارد، وتطوير المكتسبات، وتحويل الرؤى إلى منجزات مستدامة. ولهذا لم يعد الاستثمار في الإنسان أحد خيارات التنمية، بل أصبح جوهرها ومحورها الرئيس.

ولعل السؤال الأكثر دقة في هذه المرحلة ليس: كيف نُعد أبناءنا للمستقبل؟ بل: هل نُعد جيلًا يبحث عن مكانه في المستقبل، أم جيلًا يصنع مكانة عُمان في المستقبل؟ فالفارق بين السؤالين هو الفارق بين دولة تكتفي بالتكيف مع التحولات العالمية، ودولة تسهم في صياغتها والمشاركة في رسم مساراتها.

لقد شهد العالم خلال العقود الماضية تحولات اقتصادية متسارعة نقلت مركز الثقل من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد تقوده المعرفة والابتكار والتقنية. واليوم يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة تتسارع فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة، بما يعيد تشكيل مفاهيم العمل والإنتاج والقيمة والتنافسية.

وفي ظل هذه التحولات لم تعد المعرفة وحدها ميزة تنافسية، لأن الوصول إلى المعلومات أصبح متاحًا للجميع. أما القيمة الحقيقية فأصبحت في القدرة على التفكير والتحليل والابتكار واتخاذ القرار وصناعة الحلول. وبعبارة أخرى، لم يعد التحدي في امتلاك المعرفة، بل في تحويل المعرفة إلى أثر اقتصادي واجتماعي وتنموي.

ومن هنا يتشكل أحد أهم الأسئلة الاستراتيجية التي تواجه الدول الحديثة: هل نُعد أبناءنا لوظائف المستقبل، أم نُعدهم لصناعة المستقبل نفسه؟

ولعل الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في تحديد تخصصات بعينها أو مهارات قد تتغير مع الزمن، بل في تحديد النموذج الإنساني الذي تحتاجه الدولة في عالم 2040.

فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إعداد جيل لوظائف قد تختفي أو تتغير، وإنما في إعداد إنسان قادر على التكيف مع عالم دائم التحول. فالقرن الحادي والعشرون لا يكافئ الأكثر معرفة بقدر ما يكافئ الأكثر قدرة على التعلم وإعادة تشكيل ذاته واستيعاب المتغيرات وتحويلها إلى فرص.

كما أن الاقتصادات الحديثة لم تعد تبحث عن مستهلكي المعرفة بقدر ما تبحث عن منتجي القيمة. فالإنسان الذي سيصنع الفارق مستقبلًا هو القادر على تحويل المعرفة إلى أثر، والفكرة إلى مشروع، والتحدي إلى فرصة، والمورد إلى قيمة مضافة تسهم في نمو الاقتصاد والمجتمع.

أما البعد الأعمق في معادلة المستقبل فلا يتعلق بالمعرفة وحدها، بل بالتوازن. فكلما ازدادت قوة التقنية، ازدادت الحاجة إلى إنسان يمتلك البوصلة الأخلاقية والقيمية التي توجه هذه القوة نحو خدمة الإنسان والتنمية. ومن هنا تبرز أهمية بناء شخصية تجمع بين الكفاءة والمسؤولية، وبين الانفتاح على العالم والاعتزاز بالهوية الوطنية، وبين الطموح الفردي والالتزام بالمصلحة العامة.

ولعل هذا يقود إلى مفهوم يمكن أن يمثل أحد أهم مرتكزات المرحلة القادمة، وهو بناء الإنسان السيادي. والمقصود بذلك الإنسان القادر على التفكير المستقل، وإنتاج المعرفة، واتخاذ القرار، والمنافسة عالميًا، مع المحافظة على هويته الوطنية وقيمه الحضارية.

فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بقدرة الدول على حماية حدودها، بل بقدرتها على امتلاك المعرفة والتقنية والكفاءات الوطنية التي تمكنها من صناعة مستقبلها بنفسها. ومن هنا فإن بناء الإنسان السيادي يصبح استثمارًا في الأمن المعرفي للدولة، وفي قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز تنافسيتها ومكانتها الدولية.

لقد كان السؤال المركزي في القرن العشرين: كيف نبني اقتصادًا قويًا؟ أما السؤال المركزي في القرن الحادي والعشرين فأصبح: كيف نبني إنسانًا قادرًا على إنتاج اقتصاد قوي؟ فالأمم لا تتقدم بما تملكه من موارد فقط، بل بنوعية الإنسان الذي تدفع به إلى المستقبل.

إن الإنسان الذي تحتاجه عُمان في عام 2040 ليس مجرد خريج يمتلك مهارات حديثة، ولا موظفًا قادرًا على التكيف مع متطلبات سوق العمل فحسب، بل مواطنًا يمتلك سيادة معرفية تجعله قادرًا على فهم التحولات العالمية والتفاعل معها وصناعة أثره فيها.

إنه الإنسان الذي يجمع بين المعرفة والهوية، وبين التقنية والقيم، وبين الطموح الوطني والانفتاح العالمي. إنسان قادر على التعلم المستمر، وعلى التفكير النقدي لفهم تعقيدات الواقع، وعلى الابتكار لإنتاج حلول جديدة، وعلى تحمل المسؤولية للمشاركة في بناء وطنه.

إنه إنسان لا يكتفي بالبحث عن وظيفة في المستقبل، بل يسهم في خلق الفرص. ولا يكتفي باستهلاك المعرفة، بل يشارك في إنتاجها. ولا يكتفي بالتكيف مع التحولات، بل يسهم في توجيهها وصناعة مساراتها. إنه إنسان يدرك أن نجاحه الشخصي جزء من نجاح وطنه، وأن تنافسية الدول في المستقبل ستُقاس بقدرتها على تحويل طاقات مواطنيها إلى قيمة مضافة، ومعرفة، ومنجزات مستدامة.

لقد دخل العالم فعليًا مرحلة يمكن وصفها بـ«اقتصاد المواهب»، حيث أصبحت العقول المبدعة موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو رأس المال أو الموقع الجغرافي. ولهذا لم تعد المنافسة بين الدول تتركز على جذب الاستثمارات فقط، بل امتدت إلى استقطاب الكفاءات ورعاية المواهب وصناعة البيئات القادرة على إطلاق الطاقات البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاج وتأثير.

ومن هنا يمكن القول إن القرن الحادي والعشرين هو قرن العقول بامتياز.

فالثروة الحقيقية لم تعد تُقاس بما يوجد تحت الأرض، بل بما يوجد داخل العقول. ولم تعد الدول تُصنف وفق حجم مواردها الطبيعية فقط، بل وفق قدرتها على إنتاج المعرفة وتوطين التقنية وصناعة الابتكار.

وتكشف المرحلة القادمة عن تحول أكثر عمقًا؛ إذ لم يعد بناء الإنسان قضية تنموية فحسب، بل أصبح قضية حضارية. فالدول التي تنجح في بناء مواطن يمتلك المعرفة والهوية والقيم والقدرة على الابتكار لا تنتج موظفًا أكثر كفاءة فقط، بل تنتج نموذجًا حضاريًا قادرًا على تمثيل وطنه والمنافسة باسمه في الاقتصاد العالمي ومجتمع المعرفة.

ومن هنا يبرز مفهوم رأس المال الحضاري بوصفه أحد أهم أصول الدول في المستقبل؛ ذلك الرصيد المتراكم من المعرفة والقيم والثقافة والهوية والقدرة على الإبداع والإنتاج. فكلما ارتفعت جودة الإنسان، ارتفعت قدرة الدولة على تعزيز حضورها وتأثيرها ومكانتها الدولية.

كما أن هذا التحول يفرض إعادة تعريف مفهوم الثروة الوطنية ذاته. فالثروة لم تعد تُقاس بما تملكه الدولة من موارد فقط، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل تلك الموارد إلى قيمة اقتصادية ومعرفية وحضارية. ولهذا أصبحت تنمية الإنسان هي الاستثمار الأعلى عائدًا والأكثر استدامة في معادلة التنمية الحديثة.

ولعل ما يلفت الانتباه في التوجيهات السامية الأخيرة بإنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي وإقرار هيئة الأصول الحكومية، أنها تعكس فهمًا متقدمًا لمفهوم الثروة الوطنية في القرن الحادي والعشرين. فالتنمية الحديثة لم تعد تقوم على امتلاك الموارد فحسب، بل على تكامل السياسات، وتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة إدارتها، واستشراف الفرص الاقتصادية المستقبلية.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة هذه التوجهات بوصفها جزءًا من رؤية أشمل تستهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني واستدامة نموه، عبر الانتقال من إدارة الموارد إلى تعظيم القيمة المضافة للأصول الوطنية. وهي رؤية تلتقي مع الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها هذا المقال؛ فالقيمة النهائية لأي أصل أو مورد أو استثمار تظل مرتبطة بوجود الإنسان القادر على إدارته وتطويره وتحويله إلى أثر اقتصادي وتنموي مستدام.

وفي السياق ذاته، يبرز المركز الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة بوصفه استثمارًا وطنيًا في المستقبل المعرفي لعُمان، ليس لأنه يواكب ثورة تقنية عالمية فحسب، بل لأنه يسهم في بناء الكفاءات الوطنية القادرة على التعامل مع اقتصاد المستقبل. فالمركز يمثل حلقة وصل بين المعرفة والتطبيق، وبين التقنية والتنمية، وبين البحث والاقتصاد، بما يعزز بناء جيل يمتلك أدوات العصر، وقادرًا على إنتاج الحلول والمعرفة والمنافسة في القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة.

ومن هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من تقنية ناشئة، ويتحول إلى رافعة وطنية لتعزيز رأس المال المعرفي، وترسيخ الأمن المعرفي، وتمكين الإنسان العُماني من المشاركة في صناعة المستقبل، لا الاكتفاء بالتكيف معه.

وفي عُمان، تبدو هذه الرؤية حاضرة بوضوح في مسار النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم (حفظه الله ورعاه)، حيث وضعت رؤية عُمان 2040 الإنسان في قلب عملية التنمية، باعتباره الغاية والوسيلة في آن واحد.

فالرؤية لم تنظر إلى التنمية بوصفها نموًا اقتصاديًا مجردًا، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا متكاملًا لبناء الإنسان العُماني القادر على المنافسة والإبداع والإنتاج، والمتمسك في الوقت ذاته بقيمه وهويته الوطنية.

ومن يقرأ مستهدفات الرؤية يلحظ حضورًا واضحًا لمفاهيم المعرفة والابتكار والبحث العلمي والتحول الرقمي وتنمية القدرات الوطنية وتمكين الشباب، وهي جميعها مؤشرات تعكس وعيًا استراتيجيًا بأن المستقبل سيُصنع بالعقول أكثر مما يُصنع بالموارد.

ويبقى التحدي الاستراتيجي الأهم في القدرة على الإسهام في إنتاج التقنيات وصناعة المعرفة المرتبطة بها، لا الاكتفاء باستخدامها فقط. فالفارق بين الدول التي تستهلك المستقبل والدول التي تشارك في صناعته يتمثل في قدرتها على بناء العقول المبدعة القادرة على الابتكار والتطوير وإيجاد الحلول.

وفي نهاية المطاف، لا تُصنع مكانة الدول في المستقبل بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من قدرة على تحويل تلك الموارد إلى معرفة، والمعرفة إلى قيمة، والقيمة إلى أثر حضاري مستدام.

ولعل هذا هو جوهر الرهان الذي تخوضه عُمان اليوم؛ فبقدر ما تستثمر في الاقتصاد والتقنية والبنية الأساسية، فإنها تستثمر في الإنسان بوصفه الأصل الوطني الأكثر قيمة، والمحرك الحقيقي لكل تحول تنموي.

إن سؤال: «أي إنسان نُعدّ للمستقبل؟» ليس سؤالًا تعليميًا فحسب، بل سؤالٌ يرتبط بمكانة عُمان في عالم يُعاد تشكيله من جديد.

ولهذا فإن التحدي لم يعد في مواكبة المستقبل فقط، بل في الإسهام في صناعته. وعندما تمتلك الدول إنسانًا قادرًا على التفكير المستقل، وإنتاج المعرفة، وابتكار الحلول، وحمل هويته الوطنية بثقة، فإنها لا تبحث عن موقع لها في المستقبل، بل تصبح شريكًا في تشكيله.

ومن هنا يمكن القول إن الجيل الذي سيقود عُمان في عام 2040 لا يُنتظر ظهوره، بل يُبنى اليوم عبر رؤية وطنية طموحة، ومؤسسات فاعلة، واستثمارات استراتيجية في الإنسان، ليواصل مسيرة وطن أدرك مبكرًا أن الثروة الحقيقية لا تكمن فيما يُستخرج من الأرض فقط، بل فيما يُبنى في العقول.

ففي عالم تتغير فيه خرائط القوة باستمرار، ستبقى الأمم التي تنجح في بناء الإنسان هي الأكثر قدرة على صناعة التاريخ، لأن أعظم التحولات ليست تلك التي تعيد رسم حدود الجغرافيا، بل تلك التي تعيد تشكيل صورة الإنسان القادر على قيادة المستقبل.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img