إذا جاع الناس فسدت أخلاقهم..!

نشرت :

​بقلم: عبدالله رمضان بيت مجزح
خبير الرعاية الاجتماعية

«إذا جاع الناس فسدت أخلاقهم».. ​هذه المقولةُ منسوبةٌ إلى ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، إلا أنها بلفظها الحرفي لم ترد في كتابه الشهير «المقدمة»، ولكن ورد في مواضع مختلفة منه حديثٌ عن تأثير الحاجة والعوز في أحوال الناس.
​وكانت هذه المقولة -وما تزال- موضع نقاش وجدال بين مؤيد ومعارض، ولكل طرف مبرراته وأسبابه؛ فماذا ترون؟
​دعونا في البداية نتفق على أن القاعدة العامة تشير في الغالب إلى أن:
​الظروف الإيجابية تخلق بيئة ومخرجات إيجابية (كنموذج الأسر القوية والمتماسكة).
​الظروف السلبية تخلق بيئة ومخرجات سلبية (كنموذج الأسر الضعيفة والمفككة).
​والاستثناء من هذه القاعدة هو أن الظروف الإيجابية قد تخلق بيئة ومخرجات سلبية، وأن الظروف السلبية قد تخلق بيئة ومخرجات إيجابية.
​وهذا الاستثناء من القاعدة أضحى يشكل واقعًا نعيشه على نطاق واسع في حياتنا المعاصرة؛ فأصبحنا نرى نماذج تعيش في رغدٍ من العيش ولكن مخرجاتها سلبية، في مقابل نماذج لا تمتلك من متاع الدنيا إلا الستر ولكن مخرجاتها إيجابية. ومع ذلك، يظل هذا النموذج الاستثنائي محدودًا مقارنة بالنموذج الشائع الذي يمثل القاعدة.
​شخصيًّا، كنت في السابق من أشد الرافضين لمقولة ابن خلدون جملةً وتفصيلاً؛ لإيماني المطلق بأن القيم الأخلاقية يمكن أن تقف حصنًا منيعًا ودرعًا حصينًا في وجه الإغراءات المادية والاجتماعية والثقافية، وكانت هذه القناعات الشخصية بمثابة خط أحمر لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزه أو حتى مناقشته. ولكن -وللأمانة، ولأكون صادقًا مع نفسي قبل الآخرين- أصبحت هذه القناعات مشوشة ومهزوزة وقابلة للنقاش والنقد؛ لأن الزمن تغير، وأصبح الواقع أكثر صعوبة، وبالتالي أصبحت مقولة ابن خلدون التي قيلت قبل أكثر من 600 سنة (1377م) أكثر منطقية وقبولاً، بل أصبحت -للأسف- الواقع الذي يعيشه الكثيرون في المجتمع.


​قد يختلف معي البعض في تغيّر قناعاتي، وتكون حجتهم أن تاريخ الإنسانية شاهد على أن هناك مشاهير وعلماء، بل حتى أنبياء ورسل، تركوا بصمات لا تُنسى رغم أنهم عاشوا ظروفًا مادية واجتماعية صعبة، لكنهم كانوا أغنياء بقيمهم. هذا طرحٌ يُقدَّر ويُحترَم، ولكن بكل موضوعية وشفافية، نحن نعيش في زمن مختلف كليًّا عن السابق؛ زمن تطغى فيه القيم المادية بقوة على القيم الأخلاقية، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، وبناءً عليه أصبحت معدلات التحديات المرتبطة بالجانب المادي في ارتفاع مستمر، نتج عنه خللٌ في الاستقرار الاجتماعي.
​وفي ظل هذه الدوامة الصعبة، تظهر أصوات قد تشكل الغالبية التي تؤيد وتتبنى مقولة ابن خلدون جملةً وتفصيلاً؛ بسبب صعوبة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها شرائح اجتماعية كثيرة.
​وبالطبع، لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار أهمية القيم في حياتنا ودورها المحوري في مواجهة التحديات المادية والثقافية التي تحاصرنا من كافة الزوايا والاتجاهات، وتنخر في معتقداتنا وثوابتنا.
​والخلاصة… لا يمكن أن نتجاهل ما أشار إليه ابن خلدون من التأثير السلبي للحاجة والعوز على أحوال الناس؛ فالدلائل والمؤشرات كثيرة ونعيشها بشكل يومي بدرجات متفاوتة، فالأوضاع المادية تزداد صعوبة، ولكنها أيضًا ليست قاعدة أو شماعة نعلق عليها أخطاءنا وسلوكياتنا السلبية؛ فالذي يفسد الأخلاق ليس بالضرورة أن يكون عاملاً ماديًّا فحسب -رغم أهمية المادة في حياتنا- فقد يكون عاملاً تربويًّا أو دينيًّا أو أي شيء آخر. لذلك، فإن قيمًا كالرضا والقناعة والصدق والأمانة قد تكون ذخيرة قوية وسلاحًا من شأنه حماية صاحبه من الوقوع فريسة لنزواته المادية وفساد أخلاقه.


​ونختم المقال ببيت شعري لأمير الشعراء أحمد شوقي حول أهمية الأخلاق، إذ يقول:


​وَإِنَّمَـا الأُمَـمُ الأَخْـلاقُ مَـا بَقِيَـتْ … فَـإِنْ هُـمُ ذَهَبَـتْ أَخْلاقُهُـمْ ذَهَبُـوا

​حفظ الله عُمان وسلطاننا، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان… ودمتم سالمين.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img