الثروة الحيوانية في عُمان (5): الاستثمار الحيواني… الشركات، التحديات، ودورها في التنمية

نشرت :

أحمد الفقيه العجيلي

عندما يُذكر الأمن الغذائي، يتجه التفكير غالبًا إلى المزارع والمربين والمراعي والأعلاف.
لكن بين هذه الحلقات جميعًا تقف جهة لا تقل أهمية: الشركات والاستثمارات القادرة على تحويل الإنتاج المتفرق إلى صناعة متكاملة، تمتد من المزرعة إلى المستهلك.

فالمربي، مهما امتلك من خبرة، لا يستطيع وحده بناء سلسلة إنتاج متكاملة، كما أن الشركات لا تستطيع تحقيق النجاح بعيدًا عن القاعدة الواسعة من المربين والمنتجين المحليين.
وبين الطرفين تتشكل المعادلة التي تحدد مستقبل الثروة الحيوانية وقدرتها على الإسهام في الأمن الغذائي الوطني.

وخلال السنوات الماضية، بدأ ملف الأمن الغذائي يحظى باهتمام أكبر على مستوى التخطيط والاستثمار. وقد أظهرت البيانات الاقتصادية نموًا ملحوظًا في حجم الاستثمارات الموجهة إلى هذا القطاع، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الإنتاج المحلي في عالم أصبحت فيه سلاسل الإمداد أكثر عرضة للتقلبات والأزمات، كما تناولنا في الجزء الأول من هذه السلسلة.

ومع ذلك، فإن الاستثمار في الثروة الحيوانية ما زال يواجه تحديات تختلف عن كثير من القطاعات الأخرى؛ فالإنتاج الحيواني يحتاج إلى دورة زمنية أطول، ويتأثر بكلفة الأعلاف والمياه والخدمات البيطرية، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بالأمراض والتقلبات المناخية والأسواق، مما يجعله استثمارًا طويل النفس يحتاج إلى الصبر بقدر حاجته إلى رأس المال.

ولعل من الملاحظ أن النقاش حول دور الدولة والقطاع الخاص في الاستثمار الحيواني ليس جديدًا.
فمنذ عقود طُرحت أفكار تدعو إلى إنشاء شركات وطنية تقود الاستثمار في بعض الأنشطة الحيوانية والزراعية الكبرى، على أن تتولى الدولة دور التأسيس والدعم في المراحل الأولى قبل انتقالها تدريجيًا إلى القطاع الخاص بعد استقرارها ونضجها.
إلا أن التوجه السائد آنذاك كان يميل إلى ترك هذه الأنشطة للقطاع الخاص. واليوم، ومع تعاظم أهمية الأمن الغذائي وتغير الظروف الاقتصادية العالمية، عاد الاهتمام بهذا التوجه من جديد، فأنشئت شركات حكومية متخصصة في الإنتاج الحيواني والغذائي، قبل أن تُدمج لاحقًا تحت مظلة جهاز الاستثمار العُماني بهدف تعزيز التكامل ورفع كفاءة الإدارة والتشغيل.

وعند النظر إلى المشهد المحلي، تبدو بعض القطاعات أكثر تقدمًا من غيرها.
فقطاع الألبان، على سبيل المثال، شهد خلال السنوات الماضية تطورًا ملحوظًا في الإنتاج والتسويق وسلاسل التوزيع، وأصبحت بعض الشركات الوطنية نماذج ناجحة في بناء علامات تجارية قادرة على المنافسة داخل السوق المحلي وخارجه.

كما أن التوسعات التي أعلنتها بعض الشركات الغذائية الوطنية خلال الفترة الأخيرة تعكس استمرار الثقة في مستقبل القطاع الغذائي العُماني، رغم التحديات المتعلقة بكلفة الإنتاج والمنافسة الإقليمية.

ولم تكن مسيرة الاستثمار الحيواني في السلطنة خالية من التحديات؛ فقد واجهت بعض المشاريع والشركات خلال السنوات الماضية صعوبات تشغيلية وتسويقية ومالية حدّت من قدرتها على تحقيق النتائج المأمولة بالسرعة التي كان يُنتظرها. وأظهرت هذه التجربة أن نجاح الاستثمار لا يعتمد على حجم الإنفاق وحده، بل على كفاءة الإدارة، وحسن التخطيط، والاستفادة من الخبرات المتخصصة.

ومن هنا برز التوجه نحو بناء شراكات مع شركات دولية تمتلك خبرات طويلة في هذا المجال. ومن ذلك الاتفاقية التي أُعلن عنها مؤخرًا بين جهاز الاستثمار العُماني وشركة برازيلية متخصصة في قطاع البروتين الحيواني، وهي خطوة تعكس توجهًا نحو الاستفادة من الخبرات العالمية في تطوير كفاءة الإنتاج والتصنيع، بما يدعم أهداف الأمن الغذائي ويعزز استدامة الاستثمارات القائمة.

لكن الصورة تختلف نسبيًا عند الحديث عن اللحوم الحمراء.
فرغم ما تمتلكه السلطنة من أعداد كبيرة من الماشية، وما تناولناه في الأجزاء السابقة من إمكانات واعدة في الأعلاف والسلالات المحلية، فإن مساهمة الإنتاج المحلي ما زالت دون الطموح، وما زالت الأسواق تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتغطية جانب من الطلب.

وهنا تظهر أهمية بناء شراكة أوثق بين الشركات والمربين. فالتنمية الحقيقية لا تتحقق عندما يعمل كل طرف بمعزل عن الآخر، بل عندما تصبح السلالات المحلية والأعلاف الوطنية وبرامج التحسين والإرشاد جزءًا من منظومة اقتصادية واحدة، يستفيد منها الجميع.

وهنا يبرز تساؤل يستحق التأمل: إذا كانت التجارب البحثية وبرامج التحسين الوراثي قد أظهرت إمكانات واعدة لبعض السلالات العُمانية، فلماذا لا تحظى هذه السلالات بحضور أكبر داخل المشاريع الاستثمارية المنظمة؟
فقد يكون من الممكن العمل بمسارين متوازيين؛ أحدهما يعتمد على السلالات المستوردة لتلبية الاحتياجات الإنتاجية العاجلة، والآخر يركز على تطوير السلالات المحلية وإدماجها تدريجيًا في المنظومة التجارية، بما يحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية والمحافظة على الموارد الوراثية الوطنية. فنجاح أي مشروع استثماري لا يقاس بحجم ما يستورده من سلالات فحسب، بل أيضًا بقدرته على تطوير الموارد المحلية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

وقد أثبتت التجارب أن المربي يكون أكثر استعدادًا للاستثمار في تحسين إنتاجه عندما يجد سوقًا مستقرة وعقود شراء واضحة، كما أن الشركات تصبح أكثر قدرة على التخطيط والتوسع عندما تتوفر قاعدة إنتاج محلية يمكن الاعتماد عليها.

ومن اللافت أن بعض دول المنطقة بدأت تتجه إلى نماذج أكثر تكاملًا في إدارة الثروة الحيوانية. ومن الأمثلة البارزة مشروع مدينة الثروة الحيوانية في حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية، الذي يربط بين الإنتاج الحيواني وإنتاج الأعلاف والخدمات البيطرية والتصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية ضمن إطار اقتصادي متكامل. ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة بأن نجاح القطاع لا يعتمد على مشروع منفرد، بل على تكامل حلقاته المختلفة.

ولعل هذا ما تحتاجه عُمان اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ ليس مجرد زيادة أعداد الماشية أو التوسع في الاستيراد، بل بناء منظومة استثمارية متكاملة تربط بين المربي والباحث والشركة والسوق، بحيث يتحول القطاع من نشاط إنتاجي متفرق إلى صناعة قادرة على النمو والاستدامة.

فالاستثمار الحيواني ليس مشروعًا تجاريًا فحسب، بل أحد المسارات التي تُبنى من خلالها القدرة الوطنية على تأمين الغذاء، وتعزيز الاقتصاد، وخلق فرص عمل تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي واستقرار المجتمعات الريفية.
وكل نجاح يتحقق في هذا القطاع لا ينعكس على الشركات وحدها، بل يمتد أثره إلى المربي والمستهلك والاقتصاد الوطني بأكمله.

وبين ما تحقق من خطوات، وما يزال ممكنًا تحقيقه، تبقى الثروة الحيوانية قطاعًا يملك من المقومات أكثر مما يظهر على السطح.
وما يحتاجه اليوم ليس البحث عن بدايات جديدة، بل البناء على ما هو قائم، وربط الجهود المتفرقة ضمن رؤية واضحة وطويلة المدى.

يتبع في الجزء السادس والأخير: نحو استراتيجية وطنية مستدامة للنهوض بقطاع الثروة الحيوانية في عُمان.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img